عن القيم والتعددية:وهنالك أكثر من "صح" واحد

single

يوميا أراقب نقاشات حادة بين طرفين أو أكثر يكون كل طرف فيها مقتنع بأن رأيه وموقفه هو الصائب والمنطقي ويستغرب كيف أن الطرف الآخر لا يدرك ذلك بل يتبنى موقفا مختلفا يبدو للأول خاطئا وغير منطقي. هكذا يحدث غالبا في النقاش بين اليهود والعرب وبين الأهل والأولاد وبين الزوجة والزوج وبين الأصدقاء.

من المهم هنا أن ندرك بأن القراءة التي يتبناها الشخص عن الواقع هي قراءة ذاتية بعيدة جدا عن أن تكون قراءة موضوعية للواقع. قراءة الواقع تتأثر برغبات صاحبها وبأنماط تفكيره وبشخصيته ومواقفه وغيرها من العوامل الذاتية التي تصوغ هذه القراءة. هذا ما يفسر مثلا كيف يرى معظم اليهود في الدولة استمرار الاحتلال أمرا عاديا ومقبولا بينما يراه معظم الفلسطينيون أمرا عدوانيا. وهذا ما يفسر اختلاف القراءة بين الأهل وأولادهم أو بين الزوج والزوجة، كل طرف يتبنى قراءة موقفا تنسجم مع مصالحه وشخصيته. الدماغ البشري ليس كاميرا تقوم بتصوير فوتوغرافي يطابق الواقع بل هو جهاز استقبال وتحليل وبناء وإبداع يصوغ خلالها الواقع بشكل جديد.

هنالك اختبار نفسي يطلب فيه من الشخص شرح صورة معينة وتأليف قصة عنها. يتبين أن لكل شخص شرحه وقصته الخاصة عن نفس الصورة وعليه فإن القصة المروية تدل على عقل الشخص وعلى شخصيته أكثر مما تدل على الصورة نفسها. ألتقي كثير من الأسر والأزواج وفي كل مرة أدهش من جديد كيف أن للأطراف المختلفة في الأسرة تصويرا مغايرا أو حتى مناقضا لتصوير أو رواية الطرف الآخر، وكل طرف مقتنع حتى الصميم بأنه موضوعي وعلى حق.

لقد رسمت قبل مدة رسما وعلقته في عيادتي ليوضح طبيعة الإدراك الذاتي للأشياء. في وسط الرسم رسمت كرة أرضية. وفي طرفها الأيمن رسمت رأس إنسان شكله هرمي وينظر للكرة الأرضية ويقول أنها "هرم أرضي" بينما في الطرف الأيسر رسمت رأس إنسان شكله مكعبا وينظر للكرة الأرضية ويقول إنها "مكعب أرضي". كل واحد رأى الكرة الأرضية بحسب مبنى دماغه وكلاهما لم يريا أن الأرض في الحقيقة كروية. هذا هو حال إدراكنا للأشياء.

من السهل أحيانا الوصول إلى إدراك متفق عليه بين الناس لأجسام وأشياء ملموسة كالكرة أو الشجرة أو العصفور. لكن هذا الاتفاق يكون بعيد المنال حين نريد إدراك وتقييم سلوك اجتماعي. لنأخذ مثلا إدراك وتقويم الناس للحجاب، أو تسريحة الأشواك التي يعشقها كثير من الشباب، أو للعلاقة بين الشباب والبنات قبل الزواج. لكل شخص إدراكه وفهمه وموقفه من هذه القضايا ويتعامل مع موقفه على أنه "الصح" المطلق. الحقيقة أنه لا يوجد "صح" مطلق في الحياة الاجتماعية. القيم والمواقف تتغير من جيل لجيل ومن مجتمع لمجتمع ومن فرد لآخر لذلك تجد بداخل المجتمع الواحد أكثر من "صح" واحد. حين يطالب المراهق بإعطائه شيء من الحرية والاستقلالية بينما يصر الأهل على مراقبة ابنهم وضبط سلوكه يكون كل منهما على صواب يناسب مصالحه وشخصيته وقيمه. كذلك الأمر حين يحتد النقاش بين الزوج الذي يريد قضاء العيد مع أهله وبين زوجته التي تريد أن تقضي العيد في رحلة زوجية. كذلك في هذه الحالة يكون كل منهما يريد فرض "الصح" الذي يراه مناسبا ونفي "صح" الآخر.

كثير ممن يتوجهون لعيادتي يعانون ضغطا شديدا بسبب رأي الأهل أو الأصدقاء أو الزوجة أو الزوج فيهم. ويعتقدون بأنه طالما ينظر ذلك الشخص إليهم بهذه النظرة السلبية فسيبقون تعساء. لذلك يعملون كل جهدهم لتغيير نظرة ذلك الآخر إليهم من خلال الشرح أو لفت النظر أو حتى تغيير سلوكهم لعل ذلك الآخر يغير رأيه فيهم. محاولة تغيير رأي الآخرين فينا هي عملية عقيمة تشبه محاربة طواحين الهواء يرافقها كثير من الإساءة للذات.
في مجتمعنا العربي يكون لرأي الآخرين وزن كبير في نفوسنا. الجميع مشغول بالآخرين ويعطي لنفسه الحق للحكم على الآخرين وإعطاء كل منهم علامات نجاح أو فشل وتوزيع شهادات ذكاء على فلان وشهادات أخلاق على علان. الجميع يمارسون سيادتهم على الآخرين وفي نفس الوقت فاقدين السيادة على أنفسهم. الجميع محكوم من الآخر وخاضع لرأيه وموقفه ومشغول بكسب رضاه وتقديره. في هذا الجو الاجتماعي يشكل الآخر مصدر رعب لبعض الناس إذ يحكم الآخر سلوك هؤلاء الناس أكثر مما تحكمهم رغباتهم وآراؤهم الشخصية. مجتمعنا العربي يميل إلى فرض "صح" واحد على الجميع ويتوقع من كل فرد فيه الانصياع لهذا "الصح" ويقوم أفراد المجتمع بمراقبه كل فرد والحكم عليه وفق هذا "الصح" الجماعي الأمر الذي يشكل ضغطا على الأفراد الذين يملكون رأيا شخصيا مخالفا.
من المهم أن ندرك بأن ما يقوله الآخر عنا يدل عما هو أكثر مما عنا. فمن يحكم علينا بمنظار تقليدي يكون هذا المنظار يناسبه ويخدم مصالحه، ومن يقبل الحرية الشخصية والتعددية ربما يحكم على ما نفعل بشكل مغاير. حين تسأل امرأة عشرة أشخاص عن رأيهم فيها ربما تسمع عشرة تقييمات مختلفة. كل يصفها وفق الرأس الذي يحمله ووفق مصالحه ومواقفه ومرجعياته القيمية. حين ندرك ذلك نستطيع حماية أنفسنا من الرعب من رأي الآخرين ونستطيع التعامل مع رأي الآخرين بهدوء وترو وتعريفه كمجرد رأي شخصي وليس كسهم قاتل مصوبا إلى القلب.  

حين ندرك ذاتية مواقفنا ونتقبل بأن هناك أكثر من "صح" واحد وبأنه من حق الطرف الآخر أن يكون له "صح" آخر، وحين نعطي شرعية للاختلاف ونتعامل باحترام مع "صح" الآخر عندها تكون هناك إمكانية للتفاهم والوصول إلى حل وسط ومتوازن بين الأطراف. أما حين لا نعطي شرعية للاختلاف أو ننفي أو نستخف بموقف الآخر فلا يكون أمامنا إلا تصعيد الخلاف والتوتر الذي يضر بالطرفين ولا يبقي مكانا للتعايش. "الخلاف لا يفسد للود قضية" أي أننا نستطيع مواصلة العيش بمودة مع من يملك موقفا آخر طالما يسود العلاقة احترام متبادل وتقبل للاختلاف. أصلا من غير المعقول أن نشترط على من نحب أو من نحن في علاقة معه أن يكون نسخة طبق الأصل منا ومن رأينا وشخصيتنا. حتى أن هذا التطابق يكون مملا ويدخل العلاقة في سكون مميت.
مجتمعنا أحوج ما يكون للتعددية اليوم أي لإعطاء الآخر أن يكون مختلفا. كلما تحرك مجتمعنا نحو التعددية الاجتماعية والدينية والسياسية كلما ساد السلام فيه وبدأ الحوار الصحي بداخله وبدأ التغيير والتطور نحو الأفضل.   

// نصائح عملية:
لا يحق لأحد أن يدعي أنه يملك الحقيقة في جيبه
أعط شرعية للآخر بأن يكون مختلفا يتبنى مواقف مختلفة عنك
دع الآخر يفكر ويسلك كما يشاء وكف عن محاولة تغيير عقله وصقل سلوكه
 

(يتبع: عن التحكم بعقولنا)

يمكن مكاتبة الكاتب على: psy@marwandwairy.com

قد يهمّكم أيضا..
featured

تبجّحات براك المخادعة

featured

فلسفة الكلمة و فلسفة المكان

featured

جذور الاستبداد العربي

featured

تسطيح، تسليع واستهلاك!

featured

الـمُتَنَطِّعُون في الإرهاب!

featured

سبع سنوات على اعتقالي القمعي السياسي

featured

تسع رسائل إلى ثمانية أسرى وأسيرة