*لماذا تلعب دولة متخلفة كالمملكة العربية السعودية دوراً أساسياً في المنطقة، رغم تعفنها كنظام سياسي اجتماعي؟ من منح دولة ضئيلة كقطر هذا الدور الحاسم في القضايا القومية؟ ما دور مجموعات «القاعدة» والدولة الإسلامية، ومئات التسميات الوهمية والحقيقية، في صناعة معادلات الواقع؟ لماذا يفقد اليسار العربي دوره التاريخي؟ ولماذا أضحى الشعار الديني راية للتجميع والتحشيد يميناً ويساراً على حد سواء؟*
*السعودية: من الخصخصة إلى المركزية*
تزامن هذا الدور السعودي مع افتضاح نيات الإخوان، أو بعض أطرافهم، الذين أخلّوا بالاتفاق التاريخي مع السعودية والمشيخات الخليجية، القاضي بتعهدهم بأن يمنعوا توجه الربيع العربي «الشعبي» إلى هذه المجتمعات. لكن ضغط القواعد المتحمسة، التي صنعتها سياسة الخصخصة، والتي تمثلت بسرعة النجاحات العسكرية وتعاظم القوى البشرية المحاربة، والانتصارات في تونس ومصر وليبيا، زادت من أطماع بعض الأجنحة، فمالت إلى المناداة بالتسليح قومياً وتصدير الثورة، تحت شعار تصدير الربيع. قاد هذا النزوع الاجباري إلى نشوء تناقض واضح بين إرادة الجماعات الإخوانية وبين إرادة الملكيات العربية التي اعتبرت خرق الاتفاق معها وتصاعد ميول اجتياز الحدود خطاً أحمر غير قابل للتجاوز.
كان من مؤشرات هذا الاتفاق، أو الخط الأحمر، أن قامت دول الخليج والمغرب والأردن بتكوين حزام ملكي، يرسم للإخوان حدود الحركة السياسية والعسكرية. وقد ظهر شكل أعلى من هذا التدبير الاحترازي حينما سعت السعودية إلى تكوين وحدة عسكرية خليجية في اجتماع مجلس الجامعة العربية الأخير. لقد فات هؤلاء أن حركة الواقع، في ظل مناخ مضطرب، لا تتقيد كثيراً بالاتفاقات النظرية، بل تتأثر بقوة بالوقائع على الأرض. تأزم الوضع الإخواني في تونس، وتعقده في ليبيا، والخسائر في سوريا، قادت إلى خروج الجيش المصري من حياديته وانقلابه على الإخوان، تزامناً مع الفشل القطري. لقد انعكست هذه الوقائع مجدداً على النهج السعودي، الذي أثبت الآن أنه غير صالح للعمل أيضاً، لأنه تأخر عن موعده أولاً، ولأنه يقاد من قبل مثل أعلى شديد التخلف، لا يرتضيه لنفسه حتى أخلص المتعاونين معه. وهذه واحدة من أبرز خصوصيات الواقع العربي المأسوية: التحالف مع مثل أعلى تعافه النفس. لذلك اضطرت السعودية إلى القبول بتشغيل نموذج مزدوج، قوامه العودة الى النهج القطري الذي يلائم في الوقت الحاضر تشتت وتبعثر الجماعات المقاتلة في سوريا، ولكن من طريق ربطه بإدارة الاستخبارات التي يقودها ميدانياً بندر بن سلطان.
لقد نشأ مزيج هجين من المركزية الأمنية السياسية العسكرية والخصخصة الحرة، لكنه مزيج مطبوخ على عجل، لملء الفراغ الذي أحدثه اختفاء الدور القطري. وما معركة «الله أعلى وأجل» في الغوطة الشرقية، في تشرين الثاني، سوى نتاج حسي لهذا الخليط. قوات متعددة المشارب، ولكن تحت قيادة وتخطيط ومركز عمليات أدير من أعلى، بتوافق أردني سعودي أميركي. ولهذا السبب سارعت السعودية إلى تطوير الاتصال بإسرائيل، لأن غياب الدور القطري الذي يعتمد في جانبه الاستخباري والسياسي على إمكانيات الاستخبارات الإسرائيلية، جعل السعودية مرغمة على مد يد التعاون إلى الإسرائيليين، لملء الفراغ الأمني، الناشئ من انحسار الدور القطري.
إن الإرهاب، بصرف النظر عن حجمه وغاياته المباشرة، أكبر الأوراق الرابحة لدولة متحجرة، ومتفسخة كالسعودية، لأنّ الإرهاب يدفع السعودية شئنا أو أبينا إلى موقع الاعتدال ظاهرياً وصورياً، في الحسابات السياسية الشكلية. إنّ صناعة الارهاب دولياً تتيح لدول كثيرة تعيش النمط الخليجي والمغربي والأردني أن تبدو الصورة المعتدلة والمقبولة للحكم عالمياً، وحتى محلياً، في مواجهة التطرف الارهابي من جهة والميول الاجتماعية الجذرية من جهة ثانية. وهذا واحد من أكبر الإشكالات التاريخية التي تواجه المجتمعات العربية. فقد جرى حصر الصراع بين بديلين: الارهاب التكفيري من جهة ونظم الحكم المتخلفة تاريخياً من جهة أخرى. حتى الغرب الديموقراطي مال إلى هذه المعادلة التي أضحت في النهاية رصاصة الموت لأي تغيير عربي باتجاه ديموقراطي. بهذا تكون السعودية العدو الأول المعوق لحركة التاريخ العربي المعاصر.
*من هي القاعدة؟*
يقوم النهج السعودي، في حال عدم توافر ظروف الانتشار العسكري المباشر، كما هو جار في البحرين، إلى تنشيط الإرهاب الدولي لغرض تنفيذ خططه الحربية والسياسية.
إن بنية تنظيم القاعدة هي أفضل شكل تنظمي يمكن استخدامة كجهاز صدامي وعسكري، متحرك دولياً، يلائم دولاً ذات مشاريع عدوانية مثل السعودية. هلامية هذا التنظيم، وسرعة مناقلاته القارية، تسهل مهمة إدارته (استحصال نتائج أفعاله) من قبل أجهزة الاستخبارات والدعاية والاستثمار السياسي. وهو تنظيم يوفر لمستخدميه فرصة إخلاء السبيل عن الارتباط المباشر بهذه القوى ويعفيهم من المساءلة، ويسهل على الدولة المستخدمة مهمة رفد هذه التنظيمات بالمقاتلين طوعاً، بفتح الحدود وقنوات الاتصال، أو كرهاً من طريق التضييق على هذه الجماعات، وفتح ثغر لها للوصول إلى مراكز التحشيد. إن ما يعرف بالدولة أو الإمارة الاسلامية خرافة وذريعة سياسية ودعائية لتزكية نظام بال كالسعودية. إن مموّلي القوى التكفيرية على معرفة تامة بأن هذه التشيكلات مصممة، مهما بلغت قوتها، ليس من أجل إقامة أنظمة حكم ثابتة، بل من أجل التمهيد للآخرين، سواء أكانوا خطاً سعودياً (وهابياً) أم خطاً إخوانياً، للوصول إلى السلطة، باسم الاعتدال والوسط.
أسطورة «القاعدة»، وزعمائها الحقيقيين أو الوهميين، التي أسست الملامح الرئيسية للتعبئة العالمية ضد الإرهاب، تختفي وتظهر عند الحاجة. فقد أخذ أبرز الذين استخدموها يؤكدون أنها وحدة إثارة ميدانيّة متحركة ومتغيرة، أكثر مما هي واقعاً ثابتاً ذا أبعاد اجتماعية ووجودية متينة وفعليّة. فهي لا أكثر من جيوب وخطوط محتملة الوجود، تعبوية، تعمل في اتجاهين: تنشيط فعل الحضانات التكفيرية وتوجيه مساراتها، ورفد الجهد العسكري والاستخباري الدولي من طريق صناعة واقع تشغيلي فعال، يمهد الأرض لتنفيذ خطط سياسية وعسكرية متوسطة وبعيدة المدى في المجال الدولي، أي إن نواة «القاعدة» عبارة عن شحنات عنفية مزدوجة، مبرمجة، تتحرك حيث توجد أقفاص التفقيس التكفيرية، وحيث يراد رسم خريطة سياسية محتملة. لكن هذه النواة، أو النوى على وجه الدقة، محاطة بعدد غير معلوم من الالكترونات التطوعية، السائبة، التي تعمل بشكل ذاتي من طريق التحفيز والشحن الروحي، الذي يخلقه الواقع المأزوم، ومناخ الحرب العالمية على ما يعرف بالإرهاب، وبمرض الخوف من الاسلام. فـ«القاعدة» ليست حزباً سياسياً، وليست هيكلاً تنظيمياً. إنها روابط خيطيّة مموهة، تعمل وتتفاعل وتنجز مهماتها، في محيط ناشط وانفعالي، من طريق الروابط الشبحية، مسنودة بالمبادرة الفردية الطوعية والفعالية الذاتية من قبل العناصر الأكثر مثالية وإخلاصاً للهدف الجهادي. فهي حركة عالمية افتراضية مشاعة، لكن الولوج اليها لا يتم إلا من طريق كتابة رمز الدخول السري المتفق عليه. أما ترابط خطوطها (أفادت من تقنيات الاتصال بشكل جيد، ومن خبرات نقل المعلومات والأسلحة التابعة لأجهزة الاستخبارات الدولية) فيتم من طريق تشابك قنوات الاتصال، المباشرة وغير المباشرة، بين قيادات ميدانية متحركة، وهمية حيناً، وصحيحة حيناً آخر، ومزيج من الوهم والحقيقة حيناً ثالثاً. هذا التكوين الهلامي "للقاعدة" يلائم تماماً دورها التشغيلي أولاً، باعتبارها محرك احتراق ذي أهداف تمهيدية، لا يصنع خاتمة الأحداث، ولكن يكتفي بصناعة المناخ الملائم لتحرك سياسي وعسكري ما. وثانياً، يموّه ارتباطاتها بمصادرها الخارجية، التي تكون في أحوال كثيرة معادية في الظاهر لتوجهات «القاعدة» والحركات التكفيرية. ومنها ما يجمع بين العداء والتعاون. ولا يشمل هذا ارتباطات الأفراد المتطوعين تحت تأثيرات مثالية وإيمانية صادقة، أو دوافع عاطفية وأخلاقية، الذين ينخرطون بحماسة دينية وعاطفية ويؤسسون خلايا تلقائية، تهب نفسها لـ«القاعدة»، أو تضع نفسها في خدمتها.
تفجير قاعدة تشابمان ــ خوست الافغانية تم بواسطة عميل رباعي الولاء، تشاركت فيه طالبان والاستخبارات الباكستانية والأردنية والأميركية، التي رفعت الطبيب همام خليل البلوي إلى مرتبة أهم خمسة أصوات جهادية في «تنظيم» القاعدة، قبل أن يفجر مقر الاستخبارات الأميركية في 30 كانون الاول 2009. أحداث 11 أيلول، التي هزت العالم، خضعت للمبدأ ذاته: خيط للقاعدة المدارة من الخارج، هدفه إعلامي، بخسائر محدودة وأرباح دولية عظيمة،÷ وخيط للقاعدة المتمردة خُطط للسير بالعملية الدعائية الى غايات أكبر وأبعد، من وراء ظهر الفريق الأول، وخيط جهادي عفوي امتثل للفريقين السابقين ونفذ ما أرادا، من دون شروط. مقتل ممثل الأمم المتحدة في بغداد، سيرغيو فييرا دي ميلو في آب 2003، على يد القاعدة، دليل لا يقبل النكران على أن ما يعرف بالقاعدة اسم «حركي»، تختفي تحته جماعات مختلفة الأصول والأهداف والارتباطات، تحركها أياد دولية، ويفيد من خدماتها كل مشتر متحمس للدفع والإيذاء.
الحقائق المتعلقة بدور القاعدة السياسي والعسكري ستظل خفية إلى أمد طويل قادم، بيد أن تقلبات الواقع قد تلقي بعض الضوء على جوانب مظلمة من تاريخ هذه الحركة وأسرارها. لكن الثابت اليوم، أن الحركة التكفيرية العسكرية في منطقتنا، بصرف النظر عن مسمّياتها، تدار لمصلحة النشاط العسكري والسياسي السعودي، الذي يصرّ على اعتقال التاريخ القومي كله في مشاريعه المتخلفة. (انتهى)
* ناقد وروائي عراقي – "الأخبار"
