صدمتُ.. ثرتُ.. فكرتُ..غضبتُ..تساءلتُ: من له مصلحة في مقتلك ؟ اليد التي ضغطت على زناد المسدس كانت واحدة . اطلقت عليك الرصاص عن بعد نصف متر . كانت تقصد أن تقتلك .. فمن وراءها ؟ هل وراءها الاحتلال وعملاء الاحتلال ؟ هل وراءها المتأسلمون الجدد ؟! الإسلامويون، الأصوليون، المتخلّفون إجتماعياً الذين هددوك ثم حرقوا باب مسرح الحريّة - مشروع عمرك في مخيّم جنين .. اعداء المسرح واعداء الطفولة واعداء الجيل الذي تنشئه، وكانت أمك آرنا مير خميس قد بدأت به قبل حوالي عشرين سنة! ... كان القائل على بعد نصف متر منك وأنت تقود سيارتك ببطء في ازقة المخيم .. قصدك القائل أنت بالذات .. لم يقصد طفلك ابن السنتين الذي كان في حضنك، لم يستهدف مساعدتك - اختك العربية من بيت لحم التي اصيبت في هذا الحادث ، الجريمة .
بالامس كنت فقط في رام الله باحتفال مسرحي هناك، بالامس فقط كنت على قيد الحياة .. مليان حيويّة . اي حيوان هذا ومن هي الحيوانات التي تقف وراءه ؟ بالامس فقط بث التلفزيون الاسرائيلي برنامجاً عنك وعن دورك الرائد في مخيم جنين بمسرح الحرية . اعرف أن اعداءك هم اعداء الحرية . . اعرف أن الظلاميين هم اعداءك . سواء كانوا عملاء الاحتلال ام اسلامويين ... وما الفرق ؟! أعرف أيضاً أن مشروعك لا يروق للسلطة الوطنية،ولا للسلطة الإسرائيلية، ولا لأي متعصّب، لأنه يعتمد على تحرير الإنسان قبل تحرير الأوطان.
اي نصف فيك اغتالوا ؟ هل هو نصفك العربي من جهة الأب الشيوعي صليبا خميس، أم هو النصف الآخر اليهودي الشيوعي الأممى الخارج من رحم آرنا مير؟ أم أنهم إغتالوا الإنسان الذي هو فيك؟ أذكرها يا جوليانو - وكانت حبلى بك سنة 1958 - كيف تصدّت للبوليس الإسرائيلي في مظاهرة أول أيار بالناصرة، وحين اعتقلت وهمّوا بضربها صاحت بهم: أنا هبلى أنا هبلى... (تقصد أنا حبلى). وكانت حامل بك أيها المقاتل بالكلمة المسرحية!
واحد هو القائل . عدو السلام، والتعايش، والحرية التي آمنت بها حتى النخاع وقدّمت نفسك قرباناً على مذبحها !
يد الاحتلال واحدة، ويد الظلاميين واحدة، وإن كانوا ظاهريا أعداء ! ظاهريا فقط . ونحن الى متى سنظل نحمّل الإحتلال الإسرائيلي جميع موبقاتنا ؟ ألِأن الإحتلال هدفٌ سهل ؟ الأنه الآخر، نحمّله مسؤولية جرائمنا نحن بالذات ؟ ألأنه مثل البَرْد ، أساسُ كلِّ عِلَّة؟ الى متى سوف نبقى ننظر الى القذى في عين الآخر ولا نرى الخشبة في عيوننا ؟ الى متى سنظل نتعامل مع قوى الظلام بين ظهرانينا باستحياء، بخجل مقيت ؟ ونمنع النشر، حتى النشر عن الاسلامويين، وعن السلفيين في صُحفنا العلمانية ؟! عندما سمعت خبر مصرعك ، حسبت ذلك مزحة سمجة من مزحات الأول من نيسان . لم أصدّق : ربما، ما كنت أريد أن اصدّق ، نظرت الى المفكّرة ، لم يكن الأول من نيسان . ألِهذه الدرجة المسرح مخيف ؟ الهذه الدرجة مضمون "مسرح الحرية مخيف" لقوى الظلام وللظلاميين ؟ لم أكن أدري بالمنشور الذي وُزِّع في مخيم جنين ضد المشروع وضدك شخصيا : بأنّك إذا لم تفهم بالكلام / سوف تفهم بلغة الرصاص . اليوم وبعد مصرعك تمّ توزيع منشور آخر، بنفس العنف، لإخافة شابات وشبان المسرح، يهددهم بنفس المصير إذا لم يتم إغلاق مسرح الحرية فوراً ! لم أصدّق حتى قرأت النص...
لم أكن أعرف كيف تحوّل مشروعك في "الأنيمال فارم" على خشبة المسرح الى شائعة ظلامية قويّة : بأنك أدخلتَ خنزيراً حياً للمسرح في مخيم جنين، ولم تحترم المشاعر الدينية الإسلامية ! اعرف كيف ولماذا يكذب الظلاميون في سبيل هدفهم ! اعرف كيف تم تحوير احد مقالاتي عن إنسانية النبي محمد "الى هجوم وتطاول على هذا النبي العربي الكريم من احد الاقزام الكتاب" ... وكيف خرج المصلّون وباي إنطباع عني حتى ولو لم يُذكر اسمي بتلك الخطبة العصماء لإمام الجامع، القريب، الذي يقع بمحاذاة بيتي ... ما أسهل التحريض في جو مشحون بالجهل، باسم الدين .. ما أسهل استغلال الدين، لأنه مبني على المشاعر ، وعند البعض على المشاعر المزيّفة حين يستغلّونه لغاية في نفس يعقوب ، وحين يلبسون قناع التقوى يكونون أخطر من الد الاعداء .
أجل، عدو عاقل خير من صديق جاهل ، فكيف به عدوا جاهلا ؟ بالأمس ، وكأنه اليوم ، قلتَ لهم يا جوليانو، عندما رفضت الخدمة العسكرية في المناطق المحتلة : "لا اريد أن أُقتل برصاص فلسطيني !" – هكذا قلت لهم حين خدمت ثم عصيت الاوامر في جيش الدفاع الاسرائيلي وتمردت عليهم . واليوم .. وأنت تعمل في الموقع الآخر . في "مسرح الحريّة"، وأنت تكمل مشوار ومشروع والدتك آرنا في مخيم جنين .. اليوم 4.4.11 الساعة الرابعة مساء في طريقك ، ولست أدري من أم الى المسرح : قتلت برصاص "فلسطيني"! يا للشماتة!!! ست رصاصات او خمس ولا فرق .. ثلاثة منها او اثنتين ، لا فرق ، اخترقت فروة رأسك وكان ابنك "جي" : ابن السنة او اقل بقليل ، في حضنك.. قُتلتَ بدم بارد ، بأعصاب باردة، بيد احد الفلسطينيين الذي لا يستحق ذكر اسمه ، قُتلتَ بشكل آلي، كأنك في أحد أدوارك السينمائية، تيك تيك تيك، كأنه الروبوت المعبأ بالحقد والكراهية الحيوانية الغريزية تم الضغط على الزناد : مرة ومرتين وثلاث ... لست أدري لماذا يذكّرني مصرعك بمقتل فرج فودة بفوضى الأصوليين، السلفيين، في مصر ... لست أدري لماذا يذكرني مصرعك بمقتل رافع الفاهوم بفوضى الست وثلاثين، بعدما انحرفت الثورة . فرج الذي كان من ذوي الفكر المستنير، صاحب مشروع فصل الدين عن الدولة، الذي شنّ الحرب على الجهل، والتخلف، والتعصب، والغيبيات. ورافع الذي كان فلاحاً، ومن أوائل الفلسطينيين الذين أدخلوا المكن على الزراعة الفلسطينية في حينه ، وساند جماعة القسّام، فهدمت له حكومة الإنتداب البريطانية بيته المؤلف من ست وثلاثين غرفة ومخزن، وقتلته أياد"عربية فلسطينية" "ثورية" ! فسجل له التاريخ جملته المشهورة عندما تم نسف البيت : "على هذه!" وضرب بخيزرانته على جزمته الجلدية .
هي شجاعتك يا جوليانو ... هو إصرارك على مشروعك الطلائعي الذي ذكّرني بهما .. فلكلٍ منكم كان مشروعه – الوطني والقومي والإنساني . مشروع لن ينتهي .. كالحكاية التي لا تنتهي .. لأنه لا يمكن اغتيال الفكر بتصفية صاحبه . إنما على العكس تماما . ليس فقط "أولاد آرنا" (الفلم الذي قمت بإخراجه)..ليس فقط "أولادك" هم الذين سوف يتابعون ويكملون المشوار ، إنما أيضا كل من يؤمن بهذه الطريق . الضربات التي لم تقصم لك ظهرك تُقَوّيك، واغتيالك ومصرعك بهذه الطريقة سوف يقوي غيرك . هذا هو الواقع ، وهذا هو المنطق الثوري في التغيير ... هذه هي حقيقة الإنسان الملتزم شديد الالصاق بالواقع وبالهدف . لقد نجحت في إحداث التغيير، ومن هنا خوف السلفيين الظلاميين الذين يشدّون إلى الوراء. قبل ثلاث سنوات ، سألت أحد الأولاد المشاركين في المسرح : هل تسمح لأختك أن ثمثّل معك على خشبة المسرح؟ قال لك: لا! اليوم وقبيل مصرعك ، عندما أعدت السؤال عليه، قال لك: من أكون أنا حتى أقرر لها ما عليها أن تفعل؟
أذكر قبل عشرين سنة، وفي مظاهرة بالقدس مقابل السفارة الامريكية ، أذكر كيف أعطيتني كتفاً حين حاول الجنود الاسرائيليين التحرّش بي .. أذكر أنه قبل اقل من شهرين حين ذكّرتك بالحدث ، لم تتذكر .. ربما لأن من يعطي دائما ، لا يتذكر ! أذكر أنك وقبل بضعة أشهر، قمت بإخراج مسرحية "العذراء والموت" لمسرح الميدان (الذي أرأس هيئته الإدارية)، أذكر، ولا بدّ لي أن أذكر، أنك طلبت تحويل أجرك رأساً إلى مسرح الحريّة بمخيم جنين!
من قتلك يا اخي الصغير الكبير جوليانو ؟ أعرف، نعم اعرف! إنه الفكر الرجعي المتعفن .. يد مجرمة واحدة ضغطت على زناد المسدس ، نعم ، ولكن وراءها فكر ..ديني.. رجعي.. ظلامي .. سلفي.. معاد للحرية وتحرر الذات من الوهم ... وها نحن بإنتظار الضحية التالية !
الناصرة
