في داخل كل منا طفل يحمل ماضينا وضعفنا

single

*تلخيص المقالات السابقة: النرجسية من جهة والتفاني من جهة أخرى هما نمطان يثقلان على العلاقات بين الناس ويشحنانها بالقلق والغضب. الغضب رد بدائي بحجة الدفاع عن الكرامة إلا أنه ينزع السعادة من الغاضب ويضر بصحته. يجب أن نتذكر بأن كرامة الفرد لا تتعلق بسلوك الآخرين ومواقفهم منه بل بأعمال ذلك الفرد. حين يمارس كل فرد سيادته على نفسه وليس على غيره يمكن تحاشي حالة الغضب والانتقام. يجب إبقاء مكان للتسامح مع الآخرين وليس في ذلك تنازل لهم بل تحرير للنفس من دائرة الغضب والنقمة. هناك ضرورة لخلق توازنات بين حب الذات والتماهي مع الآخر، وبين الغضب والتسامح*

 

• الطفل الذي فينا يبقى فعالا في حياتنا بشكل خفي وغير واع يؤثر في شؤون "تخص الكبار" كالزواج والعمل.

• فهم نشاط الطفل الذي فينا يساعدنا على فهم اضطراباتنا وفهم الكثير من ردود فعلنا التي تبدو غير طبيعية.

• شخصية الإنسان لا تبنى على أنقاض الطفولة بل من خلال عملية خلق جديد تـُبقي الطفولة حية في إطار شخصية راشدة. 

 

// في معمعان التشابك بين الذات والآخر وبين أطراف الصراعات النفسية كالنرجسية والغضب من جهة والتفاني والتسامح من جهة أخرى، لا يمكن إغفال بؤرة "التهاب نفسي"، إذا صح التعبير، بين تجارب الماضي التي يحملها "الطفل" الذي في داخلنا وبين "الراشد" الذي فينا والذي يملك المنطق والرؤية الواقعية والأخلاقية للحياة.

 

*الطفل الذي فينا*


"الطفل" الذي فينا هو تعبير مجازي لأحد مكونات الشخصية الذي ما زال يفكر ويشعر كالأطفال وينقل تجارب الطفولة ويفرضها عنوة ودون وعي على الواقع الجديد في الحاضر، المختلف تماما عن الماضي. هذه التجارب التي تشمل عجزنا كأطفال أمام سلطة الأهل وطرق مواجهاتنا النكوصية (الطفولية) كالبكاء أو الارتداع أو الاختباء تحاشيا لمواجهة الطرف الأقوى أو التمركز بالذات وغيرها من التجارب. يحمل هذا الطفل ايضا سذاجة الأطفال وفرحهم المباشر ولا يقدر على التحدي والصمود في وجه الصعاب.
الغريب في الأمر أن هذا "الطفل" يدير شؤون كثير من الراشدين وفي كثير من القضايا الهامة التي "تخص الكبار" كقضايا الزواج والعمل وغيرها، بينما يبقى المركب "الراشد" في شخصيتنا والذي يتحلى بالمنطق وفهم الواقع وخبرة الحياة، شبه مشلول وغير قادر على فهم ما يحدث له.
الطفلة التي كان أخوها يعتدي عليها مستغلا جهلها وضعفها وخشيت حينها من كشف الأمر، تواصل وهي راشدة هذا النهج من الرضوخ وخشية البوح بالاستغلال الذي تقع ضحيته كراشدة في زواجها أو عملها. تتصرف هكذا كأنها لا تملك بعد خبرة حياة ومنطقا وقدرة على التعبير والاستعانة بمن بوسعه دعمها وبالتالي تواصل مسلسل الاعتداء عليها.
الطفل الذي فينا يفسر كثيرا من السلوكيات غير المفهومة والاضطرابات النفسية التي تبدو غير منطقية. إليكم بعض الأمثلة:

 

*رجل مرعوب من الفرقة بين الإخوة*


رجل يبلغ من العمر 39 سنة متزوج ويعيش في بيت بين مجموعة بيوت يسكنها بقية اخوته على قطعة أرض أورثهم إياها والدهم المتوفى. بعد خلاف "عادي" بينه وبين أحد الإخوة حول موقع توقيف سيارة كل منهما، قرر الإخوة تحديد مواقف خاصة لكل منهم ووضع جدار خشبي يفصل مدخل كل بيت ويحدد لكل منهم مساحته الخاصة. منذ ذلك الوقت ويعاني هذا الرجل اكتئابا يؤرقه ليل نهار وينزع شهيته للطعام ويرافقه آلام معدة شديدة وهبوط ملحوظ في وزنه. طبعا الخلافات بين أفراد الأسرة أمر يثير الحزن، إلا أن رد فعل هذا الأخ كان متطرفا. لم يستطع في بداية العلاج أن يرى بمثل هذا الإجراء خطوة تعطي لكل أخ نوعا من الاستقلالية بل رآها كارثة تـُشتت العائلة، رغم أن العلاقات بين الإخوة وعائلاتهم استمرت كما كانت تقريبا. لقد حاول في البداية استجداء إخوته وشكا أمره لعمّه ومن ثم لآخرين في العائلة دون جدوى.
لم يكن من الممكن فهم رد الفعل الكارثي لهذا الرجل، الناجح والحازم في حياته المهنية والاجتماعية، بدون فهم الطفل الذي فيه. طفولته باختصار تتلخص في أنه الابن الأصغر لأب يصفه أنه "طاغية وسفاح" ولا يذكر منه إلا صراخه ووعيده وتكسيره لمحتويات المنزل وضرب أمه واخوته بشكل يومي. يتذكر نفسه يعيش في خليط من الرعب والحزن والعجز في ظل هذه العواصف. ويتذكر أيضا، وهنا بيت القصيد، أنه كلما كانت تهب عاصفة غضب كانت أمه تجمع أطفالها في حضنها وتحتويهم بين ذراعيها إلى أن تمر العاصفة. لقد قال: "كلما بدأ أبي بالصراخ والتكسير كنا نلتمّ كلنا في حضن أمي وبين ذراعيها". "لمّة العيلة" كانت الطريقة التي عرفها ذلك الرجل في طفولته لحماية نفسه والصمود والبقاء في بيت عاصف، أما التفرق فكان أمرا رهيبا بالنسبة له. بحكم كون هذا الطفل هو الأصغر بين إخوته فقد واصل نهج الاحتماء بحضن أمه أو لدى إخوته لسنوات طويلة.
بعد فهم تجربة ذلك "الطفل" الذي في داخل ذلك الرجل نستطيع أن ندرك رد فعله الكارثي على وضع جدار فاصل بينه وبين إخوته. إنه رد فعل ذلك الطفل الخائف والعاجز، للتفرق الذي اعتبره أمرا رهيبا. لقد واجه هذه الفرقة بعقل وقلب الطفل الذي فيه، لذلك لم يستطع أن يدرك أن في مثل هذا الفصل نوعا من الاستقلالية والحرية التي لا تتعارض حتما مع استمرار العلاقات بين الإخوة على أسس جديدة. العلاج الذي ساعد ذلك الرجل كان متعدد الجوانب لكن في صلبه كان تفعيل المركب الراشد في شخصيته والذي باستطاعته أن يدرك الفرق بين الحاضر والماضي وبأنه لم يعد طفلا عاجزا، وأنه لا يعيش اليوم في بيت يحكمه أب عاصف وغاضب، وبأن بإمكانه المحافظة على أمنه وأمن أولاده في إطار بيت مستقل يتمتع فيه بالحرية من جهة ويواصل "لمّة العائلة" بطريقة جديدة.

 

*طبيبة تبقى في زواجها بدافع الشفقة*


إليكم حالة أخرى تبين كيف يهيمن "الطفل" على حياة كثير من الراشدين في أمور هي من شأن الراشدين. إمرأة تبلغ 27 سنة تعيش زواجا ليس فيه تفاهم ولا عواطف ولا احترام. على هذه الخلفية امتنعت عن الحمل واهتمت بتعليمها وأصبحت طبيبة تتحلى بشخصية قوية ومستقلة بينما بقي زوجها نجارا بسيطا. قبل شهر من توجهها للاستشارة النفسية حصل خلاف بينهما تجرأ فيه الزوج ولأول مرة بصفعها. عندها توجهت للاستشارة النفسية لأنها ولأول مرة بدأت تفكر بالطلاق منه إلا أنها تشعر بشفقة عميقة تشل تفكيرها وقلبها.
أثناء تقييم حياتها الزوجية لم تستطع الإشارة إلى أي أمر في زواجها يبرر بقاءها فيه إلا شفقتها على زوجها. لقد أوضَحت أن زوجها هو ابن عمها وأنها تزوجته بفعل ضغط من أهلها وأهله، وأن زواجها منذ يومه الأول كان جافا وخاليا من أي عواطف أو لحظات حلوة.
من الطبيعي أن ترافق الشفقة والشعور بالذنب أي قرار بالانفصال بين زوجين عاشا معا نحو سبع سنوات، إلا أن درجة الشفقة في حالة هذه الطبيبة كانت درجة تشل حركتها وتفكيرها. لفهم جذور هذه الشفقة طلبت منها أن تشرح لي تجارب حياتها الماضية. بعد شرح طويل واستحضار كثير من الذكريات فهمت منها بأنها ولدت في نفس الأسبوع الذي توفي فيه أحد إخوتها حين كان بعمر 25 سنة. ولدت لأم ثكلى ومكسورة ودائمة البكاء. هي تتذكر لحظات كثيرة وهي في حضن أمها تنظر إلى وجهها الباكي وتمسح بأصابع يديها الصغيرتين دموع أمها. أمها كانت تردد لاحقا على مسامع الجميع أن ابنتها هذه هي التي أنقذتها من حزنها. العلاقة بين الأم وابنتها بقيت قريبة بشكل غير عادي إلى الآن وتتميز بتعاطف وجداني متبادل وعميق بحيث لا تتحمل أي منهن التسبب بأي مضايقة للأخرى. كذلك علاقتها مع بقية إخوتها كذلك فهي تحرص ألا "يزعل" منها أحد. هكذا هي تفهم العلاقة السليمة بين أفراد الأسرة وعلى هذا الأساس تحاشت على مدار سنين مضايقة زوجها. أما في علاقاتها الخارجية فهي مستقلة وتواجه الصراعات بحزم وقوة.
أثناء تحليل حالة هذه المرأة تبين أن الطفلة التي فيها هي التي أدارت شؤون زواجها. فهي تساير وتتحاشى أي مضايقة لزوجها كما اعتادت في علاقاتها الأسرية، لذلك صمدت على مدار سنين في هذا الزواج الجاف. ما الذي جعلها تستيقظ من حلمها الطفولي الوردي والكاذب؟ لقد كانت الصفعة التي وجهها الزوج لها في الشهر الأخير بمثابة صفعة للطفلة التي اعتادت على علاقات أسرية حميمة ومتبادلة. عندها بدأت إعادة النظر لكنها ما زالت غير قادرة على التخلص من الشفقة التي اعتادتها مع أمها وبقية أفراد عائلتها.
كذلك في هذه الحالة شمل العلاج جوانب متعددة كان أحدها إيقاظ "الراشدة" التي فيها لإدارة شؤون زواجها وتدرك أن العلاقة بين الزوجين مختلفة تماما عن علاقة طفلة بأمها الثكلى وأنه بإمكانها كامرأة ناضجة وذات وعي وخبرة اجتماعية واسعة إدارة شؤون زواجها بشكل جديد. هكذا بدأت مرحلة جديدة من العلاج بمشاركة الزوج أعادا خلالها بناء العلاقة على أسس جديدة تعطي طعما لكلا الطرفين في هذا الزواج.

 

*لا يمكن التخلص من الطفل الذي فينا*


إن تطور شخصية الإنسان عبر مراحل حياته المختلفة هو عملية تراكمية وإبداعية فيها بناء وهدم متشابكة تتشكل خلالها الشخصية. إنها ليست عملية بناء على أنقاض الطفولة بل إبقاء الطفولة حية في إطار شخصية راشدة تستطيع خلق توازن سليم يتيح للطفولة البقاء، وفي نفس الوقت يجعل الراشد الذي فينا يدير شؤوننا ويرعى طفولتنا أيضا. 
المقال القادم سيوضح كيفية تحقيق ذلك التوازن  
يمكن مناقشة المقال مع الكاتب على psy@marwandwairy.com

قد يهمّكم أيضا..
featured

هل الامبريالية إشاعة ?!

featured

نظرة على ما يجري في عالمنا العربي اليوم

featured

تونس: التاريخ والعبرة والأفق

featured

يعقوب زيادين سيبقى خالدا في أذهان الثوريين

featured

واوي بلع منجل ...

featured

سليم الديب – وطنية تقاس بعمق أمميتها

featured

المُثل العليا ودوف حنين ورفاقه ورفيقاته وجبهتهم

featured

يا أهلنا يا أهل هذا الحزب من الشعبين