ليست المرة الأولى، والأرجح أن لا تكون الأخيرة، ولكنها المميزة واللافتة للانتباه ما جرى يوم الجمعة الأول من كانون الثاني 2010، والمتملثلة بحضور أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري لحركة فتح ومشاركتهم فعاليات الاحتجاج الشعبي مع نشاطات قرى بلعين ونعلين والمعصرة، وذلك تعبيراً عن رفض جدار الفصل والعزل والضم العنصري وكافة إجراءات التوسع والاستيطان، ورداً على مواصلة سياسة تهويد فلسطين وأسرلتها وصهينتها.
مبادرة قيادات "فتح"، لم تكن فردية ذاتية من توفيق الطيراوي ومحمد المدني ومحمود العالول وغيرهم ممن برزت مشاركتهم في الفعاليات الجماهيرية، ولكنها كانت قراراً مركزياً صاغته أمانة سر الحركة لتعكس قناعات ورغبات قواعد وكوادر "فتح" وتستجيب لمتطلبات وطنية لمواجهة الاحتلال، وفي كيفية تستجيب أيضاً لشروط العمل النضالي واحتياجاته وفق موازين القوى والخبرات التي تجمعت لدى قادة العمل السياسي الفلسطيني بعيداً عن المزايدات المتطرفة اللفظية أو نكوصاً عن ممارسة الواجب أو استكانة لقوة الاحتلال وتفوقه.
لقد أكد أبو مازن غير مرة على ضرورة تصعيد المقاومة الشعبية للاحتلال كشكل وطريقة جماهيرية لإظهار رفض الشعب الفلسطيني وقواه السياسية وفي طليعتها حركة فتح للاحتلال وسياساته وإجراءاته، مع تأكيد موقف الرئيس محمود عباس الرافض للمقاومة المسلحة، وأنه لن يسمح للشعب ولقواه السياسية أن يقعوا في الفخ الذي ينصبه الإسرائيليون للحركة الوطنية الفلسطينية "لتأخذ الضحية الفلسطينية صورة الجلاد الإسرائيلي".
حركة فتح تسعى لوسيلة كفاحية أخلاقية، تشارك فيها كافة طبقات الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال من أجل كسب المزيد من الأصدقاء والمتعاطفين مع عدالة وحقوق المطالب الفلسطينية أوروبياً وأميركياً وإسرائيلياً، ومن أجل فرض المزيد من العزلة والحرج والإدانة للعنصرية الاستعمارية الإسرائيلية، من قبل المجتمع الدولي، لينعكس ذلك على الدعم الدولي لمنظمة التحرير وسلطتها الوطنية، وينعكس ذلك على قرارات الشرعية الدولية ومؤسساتها.
إضافة إلى أن الكفاح الشعبي بوسائله الخلاقة التراكمية تشارك فيه كل القوى السياسية وعامة الناس، بينما يقتصر العمل المسلح على شرائح محدودة وقد تكون معزولة في عمل سري يفتقد للجماهيرية وغير واسع الانتشار والمشاركة.
خيارات حركة فتح تسير باتجاهين: عمل جماهيري متصاعد ومحسوب، وعمل سياسي ودبلوماسي مرافق يستثمر الفعل على الأرض ويحوله إلى قرارات سياسية ومالية وإنسانية داعمة توفر للشعب الفلسطيني احتياجات صموده ومواصلة نضاله، وتقطع الطريق على حكومة تل أبيب لتوظيف أدوات تفوقها العسكري والتكنولوجي والإعلامي ضد الشعب الفلسطيني وضد قدراته المادية المحدودة.
الأمل والرغبة أن لا تكون نشاطات قيادات حركة فتح موسمية، بل نشاطاً دؤوباً وهادئاً وعقلانياً ومتواصلاً ضمن أجندات موضوعة ومحددة وبرامج ترتبط بالمناخ السياسي وقدرة الناس، وذات طابع حسي له علاقة بالواقع الملموس، مترافق مع مبادرات تطوعية، على أن يتم ذلك بالتنسيق والشراكة مع طرفين أولهما القوى السياسية الأخرى المشاركة في الائتلاف الوطني الذي يقود منظمة التحرير وسلطتها الوطنية وحكومتها الائتلافية التي يرأسها د. سلام فياض، وثانيهما توسيع قاعدة الشراكة لتشمل أكبر قطاع من المستقلين والمهنيين والأكاديميين ومؤسسات المجتمع المدني، ليكون الفعل والأداء بمثابة شراكة جماعية لا تقتصر على الحزبيين وأصدقائهم.
منذ تشكيل الجبهة الوطنية عام 1973 ومروراً بقيام الانتفاضة الشعبية ذات الطابع المدني عام 1987 حقق الشعب الفلسطيني مكاسب سياسية خالصة بامتياز، هزم فيها عدوه وخصومه فأعاد الهوية الفلسطينية المبددة، وبلور وصاغ التمثيل الموحد لمنظمة التحرير، وحافظ على القرار المستقل، ورفع القضية من وضعية لاجئين إلى سياسية لها حقوق ومتطلبات، ونقل القضية والحركة السياسية من المنفى إلى الوطن، حيث باتت اليوم تدار بأدوات وبرامج فلسطينية وعلى الأرض الفلسطينية وفي مواجهة عدو فلسطين ونقيضها، وعلى هذه الأرضية مطلوب العمل والمواصلة بإيمان وثقة وعلى أساس الإمكانات المتوفرة والقائمة على الأرض المجسدة بوجود شعب يرفض الاحتلال، ومنظم ضمن أطر وأحزاب يملك قضية عادلة ولديه الاستعداد للتضحية من أجل تحقيقها، والتضحية ليست مغامرة غير محسوبة، وليست انتحاراً يائساً، بل هي فعل تراكمي يؤدي إلى النتائج المطلوبة والمحسوبة وضمن الإمكانات المتاحة والظروف المتوفرة.
ما قاله توفيق الطيراوي وما بشر به أمام جمهور قصر الثقافة في رام الله احتفالاً بعيد الانطلاقة بأن يتقدم قادة "فتح" قواعدهم وكوادرهم وشعبهم يوحي بالتقاط الفتحاويين لما كانوا يفتقدونه وسبب سلسلة هزائمهم في الانتخابات البلدية عام 2005 والانتخابات البرلمانية عام 2006 وأمام الانقلاب في 2007، والتقاطهم ما هو مطلوب منهم أن يفعلوه، وكان شكل مشاركتهم في الفاتح من كانون الثاني 2010 هو الخطوة الصغيرة على الطريق الأول، ومهما كانت صغيرة متواضعة ولكنها الخطوة الأولى الضرورية والمطلوبة على الطريق.
