هل الذاكرة تتقاعد، تصاب بترهل الزمن؟ كان هذا هو السؤال الذي يتفجر ينبوعًا كلما اقترب يوم الاستقلال – يوم النكبة – حيث في هذا اليوم لا تنهال فقط الصور البائسة للفلسطينيين الذين رحلوا وهم في حالات الذعر والخوف، هجروا وطردوا من بيوتهم وقراهم ومدنهم تاركين كل شيء، فقط النجاة بأرواحهم، وكلما شاهدنا صور الخيام والعيون التي تجمدت على جهات الانتظار، تنتظر مجيء الجيوش العربية التي ستعيدها الى الوطن، نشعر أن هناك صفقة خداع قد تمت بين وجودنا وبين التاريخ.
في هذا اليوم – يوم الاستقلال - اعلن أن ذاكرتي ترفض التقاعد، أحاول ادخال ذاكرتي الى مؤسسة الصمت والتجاهل، لكن ترفض وتعلن العصيان وتقوم بالتحدي، حين تفتح خلايا الذاكرة وتبدأ بقذف الصور المرتبة فوق بعضها البعض، يا للعجب الصور ما زالت جديدة، لم يأكلها العث والاصفرار والتمزق، ها هي الصور تخرج.. تهديني عمرًا عشته سابقًا !
اكتشفت ان كلام أبي عن قرية "المجيدل" المهجرة التي اطلق عليها بعد ذلك – مجدال هعيمق – حيث هرب سكان البلدة ليلًا عندما دخلت القوات اليهودية، وعن عمي "جمال" الذي استشهد عندما رجع متسللًا الى حاكورة البيت كي يقطف بعض حبات البندورة والتي كانت قد نضجت، لكن الرصاص كان في انتظاره، فهو لم يتوقع أن يتحول بيته الدافئ الى لقاء مع الموت الغادر، اكتشفت أن كلام أبي لم يكن حكاية عابرة، كان جمرات تحت الرماد.
في الصف الرابع المعلمة تكتب عناوين الطلاب في دفتر يوميات، تسألني ما هو عنوانكم قلت لها قرية "المجيدل" لا أعرف لماذا قامت المعلمة ونادت مديرة المدرسة التي أخذت تصرخ، أذكر أني بكيت وصمت خوفًا من شكل المديرة الثائر الغاضب.
ومن يومها وضعت عنوان " المجيدل " في الذاكرة وأغلقت عليه بالمفتاح وأصبحت أحمل العنوان الجديد "الناصرة ".
فوق اللوح الأسود الذي يتوسط جدار الصف ، تخرج من المربعات الخشبية وجوهًا، علينا أن نتصبح بها، نجلس وأمامنا الوجوه المقطبة تنظر الينا بحدة، كأنها تراقبنا طوال الوقت ، المعلمة تؤكد أن هؤلاء من قاموا ببناء الدولة (بن غوريون، غولدا مائير، موشي ديان) كنت أتعجب من هذا الرجل – موشي ديان - الذي يضع على عينه جلدة سوداء، وكان السؤال يحيرني كيف ينام ويغسل وجهه ويستحم والجلدة فوق عينه ؟ ولماذا هو بالذات هكذا؟ وعندما سألت أمي عنه اجابتني (يقطعوا ويقطع عينه) ما دامت أمي تكرهه ؟ لماذا توضع اذًا صورته في الصف ؟ وليس فقط في صفنا توضع الصور، بل في جميع الصفوف، أما في غرفة المديرة فالصور أكبر والملامح أوضح، وصورة موشي ديان تتميز بابتسامة ساخرة تشق شفتيه، كأنه يستهزئ بالمديرة هكذا تخيلت الابتسامة، كلما كنت أدخل غرفة المديرة.
لا أعرف من توسط لجدتي كي تذهب الى الاذاعة الاسرائيلية وتشترك في برنامج (سلامًا وتحية)، وقفت جدتي وقبل أن تفتح فمها، غصت بالبكاء، أعادوا التسجيل عدة مرات حتى صرخ المسؤول وقال لها مهددًا (هاي آخر مرة) مسحت دموعها..قالت: أهدي سلامي لأبني سعيد في لبنان، كيفك يما انشا لله منيح؟ ها يما اوعى تتزوج لبنانية، تزوج بس فلسطينية..!! قام المسؤول بقطع التسجيل.. وقال لها هذا مش وقته، ولم يقم بإذاعة التسجيل.
قبل يوم الاستقلال، تخرج خلية النحل وتتوزع في المدرسة، نرى مسكين البواب (أبو جابي) وهو يحمل السلم ويتنقل به من زاوية الى زاوية حيث يثبت شريط الأعلام ويضيف الى الجدران الشعارات والملصقات التي تؤكد بهجة المدرسة بعيد الاستقلال، وتنطلق أغنية (في عيد استقلال بلادي غرد الطير الشادي) من الجوقة التي تتمرن في البهو الواسع، حيث تصل الينا في الصفوف، ومما يدفعنا للغيظ أن طلاب وطالبات الجوقة لا يشاركون في الدروس، فهؤلاء يخرجون من الدروس متى شاء معلم الموسيقى.
في يوم الاستقلال، تكون الساحة نظيفة، والكراسي الخشبية مرتبة، والمنصة قد تزينت بصور رئيس الدولة ورئيس الحكومة، وفوقهما العلم يرفرف مدقوقًا على خشبة تهتز كلما اهتز العلم، أما نحن الطلاب والطالبات علينا البقاء وقوفًا، فالكراسي للضيوف فقط.
عندما كبرت عرفت أن جميعهم على المنصة كان لهم الثغر الواحد واللسان الواحد، وكانت اسرائيل الفتية هي الصبية التي تغزلوا بمفاتنها، والمفتش الذي تعجبت من وجهه الأحمر من شدة ضغطه على مخارج الحروف، والذي طلب منا انشاد (في عيد استقلال بلادي غرد الطير الشادي) رأيت صورته بعد سنوات وهو يعانق الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عندما زاره في المقاطعة، مقر اقامته في رام الله .
كانت مديرة المدرسة بعد العرض الرياضي والكشفي وانتهاء الكلمات والقصائد العصماء التي تبدأ بشرح واف عن الدولة من مصانع وحقوق ومزارع وعمال وتنتهي بترحيب دول العالم بها، تتجه المديرة الى ميدان المبارزة، حيث يتبارز الطلاب والمعلمات والمعلمون من أفضل الصفوف في التزيين، من قدم الأفضل في الابداع، وجسد فرح يوم الاستقلال، والصف الفائز تكون جائزته لا شيء سوى وضع اسم الصف على لوحة الاعلانات وتقديم التهاني لمربية او مربي الصف على تفانيه وتفكيره في دمج الابداع مع الاستقلال ، ثم تقوم المديرة بتوزيع حبات "البوظة الثلج" لكل طالب وينتهي الاحتفال.
صور كثيرة تتدفق من الذاكرة كانت تحلم، لكن ما أسوأ من يوم استقلال يحل، والانتظار ما زال في حالة انتظار، تلوكنا السنوات وتبصقنا على رحيل يخرج من رحم رحيل.
