حتى يبقى تأثير النزاهة

single
يعرف أبناء جيلي ما الذي أحدثته الدول النفطية في مجال إفساد الثورة والثوار الفلسطينيين، وكيف أسهمت أموال هذه الدول وسياساتها في حرف الثورة عن مسارها وتعميم ظاهرة الفساد، فانتهت الثورة التي كانت واعدة إلى ما نراه الآن.
أتذكر هذا وأنا أتابع ما تفعله الدول النفطية ذاتها لإفساد الحراك الديمقراطي الذي نهض في بلدان عربية عدّة، الحراك الذي استهدف إحلال سلطات ديمقراطية محل سلطات الفساد والقمع. لقد تصدت الدول النفطية، وفي المقدمة السعودية وقطر، لهذا الحراك، وتولت مهمة  حرفه عن مساره وتسليم زمام المبادرة المحليّة لموالي حكام هذه الدول ومأجوريها وتحويل هؤلاء إلى أدوات تخريب، ليس للحراك الديمقراطي وحده بل لبلدانهم، أيضًا.
النقاش حول دوافع الدول النفطية ليس هو موضوع حديث اليوم. وقد تكفي الإشارة إلى عناوين وجيزة: وأد الحراك الديمقراطي حتى لا يشتد فيمتدّ فيشمل الدول النفطية ذاتها؛ تنفيذ الالتزامات والإملاءات التي توجبها تبعية حكام دول النفط للامبريالية، هذه التي تدرك أن نجاح الحراك الديمقراطي سيرسم بداية النهاية لهيمنتها على مصادر الطاقة وإنتاجها وتسويقها. وإلى الدافعَين هذين، تمكن إضافة رغبة كل من أنظمة التبعية والدول الامبريالية في تصفية الحساب مع كل بلد عربي وقف أو يمكن أن يقف ضد مصالحها في أي نحو من الأنحاء.
ما يشغل البال ويستدعي النقاش هو هذا التطبيق المثابر لنهج إفساد الحراك الديمقراطي الذي سُمِّيَ أيضًا الربيع العربي، وهو هذا التخريب الذي تتعرض له بلدان الربيع العربي، التخريب الذي يجري على رؤوس كل الأشهاد. ربيع تونس مثّل البداية، تبعه ربيع مصر، وتبعه ربيع ليبيا. وفي كل واحدة من هذه الدول، جرى اختبار نهج التخريب في نحو أو آخر، وأفلح مطبقوه بمقدار أو غيره، وما يزال التطبيق جاريًا كما لا تزال مقاومته جارية.
اختلف الأمر بعض الشيء في سورية. الاختلاف أوجبته، من جهة، العبرُ المستخلصة من ما جرى في البلدان الأخرى، كما أوجبته، من جهة ثانية، سمات اختصّ بها النظام السوري. فهذا، مثل سواه، نظام غير ديمقراطي وغير مبرأ من الفساد وغير ليّن اليد على معارضيه. لكن هذا النظام ذاته تميز باتباع سياسات أقام عليها شرعية وجوده، مناوأته للهيمنة الأميركية على المنطقة؛ تشدّده ضد التسويات المنفردة للصراع العربي – الإسرائيلي؛ سياسته الاقتصادية التي جعلت سورية البلد الوحيد في العالم الثالث الذي يأكل من إنتاجه ويصدّر فائضه ولا يستدين.
الحراك الديمقراطي في سورية، ربيعها العربي إن شاء محبّو التعابير الإيحائية، بادر إليه ديمقراطيون سوريون مشهود لهم بالنزاهة والمثابرة على النضال الديمقراطي. توخى هؤلاء تأسيس سلطة ديمقراطية تثبّت ما هو إيجابي في سياسة النظام وتكافح الفساد وتلغي القمع. وكان هؤلاء على حق حين قالوا إن المواجهة اللازمة مع الامبريالية والعدوان الإسرائيلي لا تصير ناجعة إلا إذا حصّنتها سياسة داخلية يتمتع الجمهور في ظلها بالحرية ويختار حكامه بنفسه.
ما توخاه الديمقراطيون السوريون هو بالذات ما أثار الطرف الامبريالي والأنظمة والقوى العربية التابعة له. وما أسرع ما بدأ التحرك المضاد، فكان في جوهره، تحركًا ضد الديمقراطية. التحرك المضاد حقق أول إنجازاته منذ قزّم المعارضة المتمركزة داخل البلد وأبرز معارضة خارجية سندها الأساسي ماثل في الدول التي صنعت التحرك المضاد هذا. وهكذا، برز في وجه النظام أشتات من الأفراد غير ذوي الصلة، ومن الجماعات التي لفظها النظام ذاته لأنه، على ما فيه من فساد، لم يحتمل فسادها. والى هؤلاء، انضم إخوان سورية المسلمون، هؤلاء الذين لا يُصدق حتى أتباعهم أنفسهم أنهم معنيون بانتصار الديمقراطية.
والحال الآن، بعد سنة ونصف السنة من بداية الحراك الديمقراطي والحراك المضاد، يتمثل في وجود نظام متمسك بالحل الأمني في مواجهة مناوئيه المسلحين، ومناوئين للنظام ينسبون أنفسهم للمعارضة ويتلقون المال والسلاح من الدول التي تستهدف تخريب البلد، وتدمير ما هو صائب، وليس ما هو خاطئ، من مواقفه وسياساته، وإسلام البلد إلى الدم والخراب.
هذا المسار مستمر ومتصاعد. يتولى المهمة القذرة مأجورون يحظون بمداخيل تدير الرؤوس. ويقف في مواجهة هؤلاء نظام يتشبّث بوجوده ومكتسبات ناسه بأي ثمن ويستند إلى جيش قوي وقاعدة شعبية تؤيده وأخرى تخشى البدائل الماثلة. إنه النظام الذي يستثمر ما هو له ويأبى ان يُبدّل ما هو عليه. وبهذا وذاك، يبدو أن العمل الجاري لتخريب الدولة السورية أو تفشيلها وإخراج سورية من معادلة القوة في المنطقة قد يُحقق هدفه، فيُلحق سورية بالقائمة العربية التي تضم دولا جرى تخريبها وأخرى يجري تخريبها الآن.
هي، إذًا، في الجوهر، جولة جديدة من جولات الحرب المتكررة ضد كل ما هو وطني أو ديمقراطي في محيط النفط، ولتقويض أي فرصة لإنشاء أنظمة حكم وطنية وديمقراطية في آن واحد. هذه الجولة استفاد معدّوها من عبر الجولات السابقة. فزاد هؤلاء عيار التضليل، وعززوا وسائله بمقدار ما زادوا عيار التخريب وعززوا وسائله. وما أكثر الذين أمكن تجنيدهم في حملة التضليل! أما الذين تطوعوا في هذه الحملة نتيجة قناعتهم بالديمقراطية وتصورهم أن هذه هي الطريق إليها، فسيكون من الغريب أن يستمروا في تجاهل ما طرأ على الربيع العربي فجعل ما أنجزته بدايته مطايا يعتليها أعداء الديمقراطية.
ويا أيها الديمقراطيون النزهاء، اسألوا عن جرائم المسلحين الذين يجنّدهم الرجعيون، ولا تكتفوا بلعن النظام، وذلك حتى لا تفقدوا صدقيتكم ولا تفقد النزاهة تأثيرها!
قد يهمّكم أيضا..
featured

براك ينتظر حكم روبسبير في مصر

featured

تلاميذ "زيطة"

featured

لا للاستيلاء على الشاطئ..

featured

كلمة تقدير ومحبة لروح د. جابي برامكي

featured

رئيس الائتلاف الفاشي!

featured

محمد دكروب على طريق آخر

featured

مغزى سقوط سلطة الإخوان