"عيد بأية حال عدت يا عيد"، غدا الجمعة عيد الاضحى المبارك، والتساؤل عن الاحوال التي يجري فيها الاحتفال بالعيد يتسع ليشمل احوال جميع المحتفلين به في العالم، فالاوضاع ليست كأسنان المشط، وافراح العيد لا تشمل الجميع، فهناك خلف الستائر الحريرية وعلى الفراش المخملي الحريري وفي الغرف الكثيرة والشاسعة والملأى بمختلف الخزفيات والتحف والالعاب والمناظر الخلابة المزخرفة، التي ترتع بينها بالمرح الكلاب المنزلية الصغيرة تنعم بملاطفة وقبلات وضمات الحنان والعطف من اصحابها، تعلو الضحكات وتملأ الوجوه ويمرح الاولاد ويلعبون وتغمرهم السعادة والبهجة والحلويات ولعابهم السائل على ذقونهم وملابسهم وهذا من حقهم، ويتناولون ما لذ وطاب من المأكولات، وبالمقابل يتسكع بالاسمال الاطفال من العائلات الفقيرة، ينصهرون مع ذويهم ببوتقة الاحزان والحرمان والجوع، يرون اللحوم والحلويات ومختلف الاطعمة في المحلات، يرون الالعاب والملابس ولا يملكون الا النظر اليها والدموع في المآقي والانين في القلوب، وفي الامعاء والبطون.
نعم، يحق لنا التساؤل، وترديد كلمات، "عيد بأية حال عدت يا عيد"، فالعيد هو مناسبة للفرح والبهجة وتعميق الروابط الاجتماعية بين الناس، ولكن ماذا يقول الواقع في كل دولة ودولة يحتفل شعبها بهذا العيد؟ انه يقدم الدليل القاطع على ان الاثرياء الذين يسافرون الى أي مكان يريدون، وفي افخر السيارات وجيوبهم ملأى ومتخمة بالدولارات ويقضون اجمل وامتع واحلى اللحظات في أي مكان ويتناولون ما يشاؤون ويريدون من اشهى المأكولات والمشروبات، ويرقصون مستمتعين باعذب الالحان الموسيقية في افخر صالات الفنادق واماكن الاستجمام والمتعة وفي البيوت، يقدمون البرهان الذي لا يدحض عن مدى بشاعة وعفونة نزعة الانا عندما تتسلط على الانسان، فكم من غني وبغض النظر عن مدى حجم قدراته المالية وثرواته، يلهو ويستمتع او يفرح ويتلذذ بما لذ وطاب، ويطعم كلابه المنزلية التي تسرح وتمرح وتستدفئ في اجمل الغرف في المنزل وعلى اجمل الفراش والسجاد، بالذات في ايام الاعياد، بينما هناك من بني البشر وخاصة من اقربائه، من يعانون من الجوع والفقر والحرمان.
المناسبة مناسبة فرح، عيد الاضحى المبارك، ولكن الفرح الحقيقي هو الفقيد في هذه المناسبة، والذي اختفى ويختفي من بيوت وقلوب ونفوس ومشاعر الكثيرين في كل مكان ومكان، هو الفقيد لان الاثرياء في كل مكان ومكان، خاصة الذين يديرون شؤون البلاد، قتلوا وابادوا البسمات، والى جانب اختفاء الفرح من بيوت ونفوس ومشاعر الكثيرين من الفقراء رغم انهم يعملون ومن العاطلين عن العمل الذين لا يجدون اماكن عمل، هنالك اختفاء للمؤاساة والشعور الانساني الجميل والمجاملة، فكم من اطنان من المأكولات خاصة من اللحوم ستقذف من بيوت الاثرياء الى مجمعات القمامة، بعد ان لم تستوعبها بطونهم من شدة التخمة والشبع، بينما الكثير من بطون الاقرباء خاصة وفي المجتمع عامة، خاوية.
ان مناظر المتسكعين في الشوارع خاصة في الاحوال الجوية الباردة، او الذين يعيشون في الخيام او بين القبور او بين الغابات بين الاشجار، في عشرات الدول، يجب حسب المنطق ان تنمي في القادة بالذات، جمالية الانسان والانسان بجماليته ويفضلها على انانيته وينبذ كليا ما يشوه تلك الجمالية، ولكن الواقع يقدم البرهان على مدى بشاعة وعفونة نزعة الانا عندما تتسلط وتستحوذ على الانسان، لقد قتلوا البسمات في كل مكان ومكان، وابادوها، وهذه جريمة، فالدموع تبلل وجنات وسحنات الكثيرين في كل مكان ومكان، خاصة ممن يعانون من التشريد واللجوء والفراق، ولا ترطب وتبلل الدموع الوجنات والسحنات وحسب وانما تبلل وترطب الكلمات ايضا، فاي فرح بالذات في هذه المناسبة ستعبر عنه كلمات انسان في مخيم وابنه في مخيم آخر؟ واي فرح سيغمر الفلسطينيين بهذه المناسبة والخلافات كثيرة وتزداد وتتعمق والاحتلال يزيدها سوءا ومرارة ومأساوية وآلاما لا تحتمل؟
لا يستطيع المرء الا ان يشعر بالتقزز من سلوك الاغنياء بالذات في هذه المناسبة، التي تقدم البرهان على مدى بشاعة النزعة الانسانية عندما تفقد جماليتها ورقتها ومشاعرها العاطفية الرقيقة. فمن المعروف ان الوحش عندما يشبع لا يقتل، وعلى العكس من ذلك الانسان الغني وصاحب الموارد المادية الكثيرة، فهو لا يكتفي بما لديه من دور وسيارات واراض واسهم في البورصة وودائع في البنوك، وكميات التحف في البيوت بأثمانها يمكن اشادة مبان، ودائما يسعى لزيادة ثرائه مستخدما شتى الاساليب لذلك خاصة اذا كان في سدة الحكم، فيما الحشود ومنها من الاقرباء تعاني من الاوضاع المعيشية الصعبة من آلام الجوع والفقر والحرمان، وهذا البرهان يؤكد ان لا حدود لما يمكن ان يبلغه الانحطاط الخلقي للبشر، وماذا سيضير مخازن الدولارات المكدسة كالقمم الشاهقة عند طبقة الاغنياء لو انهم شعروا فعلا بنزعة انسانية وغلبوها على النزعة الانانية بالذات في مناسبة كهذه ووزعوا من مخازن الدولارات المتخمة بضع حفنات على الفقراء ليشعروا ولو لعدة ساعات فقط بمدى اهمية جمالية النزعة الانسانية عندما تسيطر على الانسان وتدفعه لاعمال تزيل الفوارق جذريا بينه وبين الوحوش المفترسة .
