أعتقد أنه لا غضاضة في بعض الأحيان أن يتحدّث الإنسان عن أهله ، خاصة إذا كان في هذا الحديث تحديث لما ينفع الناس . لقد عاش جدّي الأكبر (أي جد جدّي) في القرن الثامن عشر ، وشغل في ثمانينياته (أي حوالي 1780) وبعد مصرع ظاهر العمر سنة 1775 مهمّة مفتي الناصرة ومسؤول المحكمة الشرعية والمتولّي الأول لوقف الجامع الأبيض الذرّي ، وهو منشئ السجل الفاهومي ، فيه سُجّلت وقائع تلك المحكمة . وكانت هذه المحكمة الشرعية تقاضي لجميع طوائف المدينة وتسجّل جميع المعاملات والقيود العامة والخاصة . إسمه الشيخ عبدالله الفاهوم ، منه جاء اسم السّجل ، وقد غلب على العائلة لقب "دار الشيخ " . وقد كان عبد الله يُكنّى قبل ذلك بالنيني ، نسبة إلى موطن جدّه الأكبر أحمد ، قرية نين الجليلية، وأصله من قبائل الحويطات الحجازية ، ولا مجال هنا للرجوع إلى الوراء أكثر . ما علينا .. يُحكى أنه في يوم من الأيام الرمضانية الصعبة ، جاء شيخ بدوي إلى جدّنا عبدالله طالبا فتوى للإفطار بشهر رمضان! وعلى ما يبدو كان هذا الشيخ بدويًا يعيش على الفطرة ، وقد سمع عن "الثورة" الوهابية في الجزيرة العربية ، وكيف أجاز داعيتها محمد ابن عبد الوهّاب أن يفهم أتباعه القرآن الكريم كل على هواه وبحسب مفهومه البدوي الفطري ، فيفسّره ويؤله من عندياته . لكن جدّنا هذا كان أزهريا عالما بأصول الدين ... وهات عاقب وشقلب ولم يستطع إقناع هذا الشيخ البدوي ، ولا حياة لمن تنادي . فسأله بلهجته البدوية : شنو تقول بالغزو ؟ حلال ولا حرام ؟ قال الشيخ : طبعا حلال ! قال له : إذهب فمن لا يفرّق بين الحلال والحرام فلا جناح عليه . وانفرجت أسارير البدوي وخرج وكأنه حصل على مبتغاه ، قائلا : ترى هذا الفاهوم يفهم . والفاهوم هنا صيغة مبالغة من الفهم . وكان كلام المفتي في واد وفهم الشيخ البدوي في واد آخر . فالغزو والسلب والنهب وهدم الأضرحة والقباب والمقامات والمراقد ، وسلب محتوياتها من ذهب وفضّة وسجاجيد ، حرام حرام ثم حرام على المستويين الديني والحضاري ! ويتبعه قتل النفس التي حرّم الله قتلها إلا بالحق . والحديث عن النفس البشرية عامة ! أمّا مفهوم الغزو فهو السطو المسلّح ... ومفهوم جدّي الأكبر المقبور في الجامع الأبيض أن من لا يعرف القرد من النبي ، لا يعرف الحلال من الحرام هو معتوه ولا جناح على المعتوهين . لكن لا علينا ترك الحبل على الغارب لمثل هؤلاء في عصرنا الحديث .
