من اساليب التعذيب – صورة توضيحية
"محقق الشاباك: الزعماء العرب قلقون على كراسيهم، لا يفكرون إلا في مصلحتهم الشخصية. اعندما كان الشعب الفلسطيني في المعركة.
المعتقل: أنت على حق ولكن ما علاقتي بما تقول.
محقق الشاباك: انك نتاج السياسة العربية حيث كل فرد يفكر بنفسه فقط وليس هناك أحد يفكر بالشعب."
وفي اليوم التالي للتحقيق:
محقق الشاباك: لقد طال التحقيق معك رغم ان كل ما نريده ليس إلا قطعة حديد صغيرة- مُسدّس. انك شبيه بالأمة العربية. لقد أراد اليهود السلام مع العرب عام 1947 وكل ما أرادوه هو قطعة أرض ليعيشوا عليها بسلام لكن العرب رفضوا ذلك. في حرب عام 1948 احتل اليهود أراضي أخرى وأرادوا السلام مقابل أرض ولكن العرب رفضوا. وفي سنة 1956 احتل اليهود سيناء وأعادوها بعد اسبوع إلى مصر من أجل العيش بسلام لا غير.
المعتقل: لم أعلم ذلك.
محقق الشاباك: هناك الكثير كما يظهر لم تدركه في حياتك لأن الزعماء لا يريدون أن يعرف الشعب الحقيقة. بعد ذلك كانت حرب 1967 حيث أحتللنا اراضيَ اخرى واستمرت الحرب خمس سنين قتل خلالها الكثيرون في سيناء. وفي النهاية وافقت مصر على السلام واعدنا لها كل اراضيها حتى آخر شبر منها أما باقي الدول العربية فرفضت السلام. بعد الانتفاضة الأولى وافقنا الانسحاب حتى حدود 67 مقابل سلام بينما رفض الفلسطينيون ذلك وفتحوا بحرب جديدة. حاليا نحن نرفض التراجع لحدود 67.
المعتقل: أنا لا افهم ما علاقتي بما تقول.
محقق الشاباك: أنت جزء من الأمة العربية وأنت تتصرف كجميع العرب. انك نتاج التربية العربية. كان بأمكاننا إنهاء التحقيق منذ زمن وبنيّة حسنة وبشكل محترم لكنك ترفض ذلك. الوضع يزداد تورطا وها هي والدتك قد جُلِبت للتحقيق وقد أسمعناك إعتراف اخيك عليك.
المعتقل: ليس بوسعي ان أعمل شيئا ولست من جَلَبهم للتحقيق.
محقق الشاباك: أنت لم تَجلب والدتك وأخاك للتحقيق لكن هناك أسباب أدّت الى ذلك ولكن لو أنك تصرّفت وتعاملـت معنا باحترام وتفاهم لكنّا أنهينا التحقيق من قبل ولما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.
المعتقل: لا أستطيع مساعدتهم بشيء."
**
ما ورد سابقا، ليس إلاّ ترجمة حرفية لمقتطفات مقتبسة من مُذكّرات تحقيق مُطوّلة، دوّنها مُحقّقو الشاباك، مع شاب فلسطيني في العشرين من عمره، أًُعتُقل للأشتباه بتورّطه بمقتل حارسين لمصنع اسرائيلي رميا بالرصاص بالقرب من بلدته حيث خضع خلال اعتقاله لتحقيق مُكثّف من قبل الشاباك لمدة مئة وخمسة عشر يوما تعرض أثناء ذلك لأسوأ وسائل تحقيق ومورست بحقه أقسى ضروب المعاملة الجسدية والنفسية.
كان قد تسنى لي الاطّلاع وقراءة مذكرات التحقيق على كل مراحله بعدما كُلّفت من قبل "اللجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل" والتي اعمل كأحد محامي طاقمها القانوني، مهمة رفع التماس لمحكمة العدل العليا لمطالبة المستشار القانوني للحكومة تحويل القضية للتحقيق الجنائي ومحاكمة محققي الشاباك لارتكابهم جريمة تعذيب بحق الشاب أثناء التحقيق معه نتيجة استخدامهم التعذيب وضروب معاملة قاسية وغير إنسانية ومُهينة، نَذكُر منها: تكبيل الأيدي إلى الخلف من وراء مسند كرسي التحقيق على مدار كل ساعات النهار، التحقيق مع المعتقل وهو في هذه الوضعية لمدة أسابيع، السماح للمعتقل أن يخلد للنوم في ساعات متأخرة ليلا لأوقات قصيرة على فرشة رقيقة وقذرة، داخل زنزانة ضيقة مُضاءة ليلا ونهارا بنور باهت مُتعب للنظر، اللّطم والضرب على الرأس والجبين، الشّتم والتهديد وإستعمال كلمات وألفاظ نابيّة يصعب على الورق تحمل حبرها، إعتقال الوالدة والاخوة كوسيلة ضغط، والأبشع من هذا كله اصطحابه بشكل مفاجئ معصوب العينين ومكتوف الايدي الى مركز سري ومجهول بعيدا عن سجنه وضربه بشكل مبرح بالمسدسات والأرجل، من قبل أشخاص لم يرهم من قبل، حتى درجة الاغماء وفقدان الوعي ونتيجة لذلك نقل الى المستشفى لتلقي العلاج .
*درجة صمود وصلابة المعتقل
إن أساليب التحقيق والطرق التي يستخدمها الشاباك للنيل من إرادة المعتقل ولانتزاع الاعترافات منه، على اختلاف أنواعها وخصائصها وعلى الرغم لما يطرأ عليها من تجديدات من مرّه الى أُخرى، إلاّ أنها بمعظمها إن لم يكن بمجملها لم تعد مجهولة ويدركها جيدا ليس فقط جمهور الأسرى والمعتقلين بل كل ذي صلة بالنشاط التنظيمي او السياسي وبالذات من يعمل مهنيا أو ميدانيا في حقوق الأسرى والمعتقلين المعرّفين كـ"الأمنيين".
من تجربتنا في التعامل بالملفات الأمنية نستدل أن ممارسات وأساليب الشاباك في التحقيق تختلف من حيث شدتها وكثافتها وتوقيتها من حالة إلى أخرى، الشيء الذي يتعلق أولاً وعلى الأغلب بخصوصية القضية وحجمها ومدى خطورتها ومن ثم بدرجة صمود وصلابة المعتقل. ففي القضايا ذات الحجم الكبير ودرجة خطورتها عالية أمنيا ، لوحظت ممارسات لأساليب شديدة ومكثفة وفي الحالات التي صمد فيها المعتقل واستطاع ان يتحمل عناء التحقيق، الشيء الذي يؤدي عادة لاطالة مدة التحقيق أكثر فأكثر، تم استخدام طرق واساليب جديدة غير مألوفة. لذلك تشهد الملفات التي لم يحرز التحقيق اهدافه وبالتالي طال بها التحقيق ممارسات لاساليب وطرق تحقيق مختلفة لم تستخدم في حالات وملفات أخرى، يبتكرها رجال الشاباك بهدف التركيز أكثر على الناحية المعنوية والنفسية للمعتقل.
هذا ما قد جرى فعلا في حالة موكلنا الذي اعتُقِل للاشتباه بتورُّطه بقضية تعتبر كبيرة الحجم نسبيا وشديدة الخطوره أمنيا لها صلة بمقتل حراس اسرائيليين رميا بالرصاص على يد فلسطينيين ولم يُمسَك بهم. فرغم كل ما مورس بحق الشاب أثناء التحقيق من عنف ومن ضروب معاملة قاسية ومهينة وغير انسانية كما ذكرنا سابقا بالاضافة الى ما تعرّض له من محاولات للايقاع به إلا أنه رفض الأعتراف بما أراد المحققون ان يعترف به ولم يفصح عن شيء يؤكد أو ينفي صحة ما بحوزتهم من معلومات.
أن لم يكن الغرض من وراء كل ذلك النيل من ارادة المعتقل وانتزاع اعتراف منه من خلال الضغط عليه معنويا ونفسيا بعد أن فشلوا جسديا فما المقصود اذا بأقوال المحقق كما جاءت مقتبسة في مستهل مقالتنا!! إن التحقيق مع الشاب يدور حول مسدس- قد تكون له علاقة بقتل الحارسين - أُتُهِم الشاب بحيازته وتخبئته وهو يرفض الاعتراف بذلك فما علاقة الزعماء العرب بهذا!! ما علاقة كون أولاد اسماعيل هنية يدرسون خارج البلاد أو كون زوجة ابو عمار في فرنسا اثناء المعارك بما يجري في التحقيق!! ما القصد من وراء ذكر كل ذلك ولماذا في هذا التوقيت من التحقيق!! لماذا اضطر المحقق أن يسرد تاريخ ومراحل الصراع العربي الاسرائيلي من وجهة نظره!! ماذا يقصد المحقق بـ"التربية العربية"!! لماذا كل هذا الاهتمام المفاجئ من قبل المحقق بمشاعر والدة الشاب وأخيه وما لحقهم من أذى بسببه!.
غريب أمر هذا المحقق، ما الحاجة لطرق أبواب كل هذه المسائل مع انه لا يبحث الاّ عن مجرد قطعة حديد صغيرة!!.
