لطالما كرّر وزير خارجية حكومة اليمين المتطرّف، أفيغدور ليبرمان، أسطوانةً ينصّ نشازها على أن القضية الأساس في المنطقة هي ليست تلك الفلسطينية! وقد حاول مرارًا وتكرارًا طيّ المنطق لترسيخ هذا الزعم، في محاولة لتبرير ما لا يُبرّر، أي تبرير رفض اسرائيل شروط التسوية العادلة مع الشعب الفلسطيني.
خلف استعراضات هذا الوزير الذي يستحق دخول "كتاب غينيس" كأكثر وزير خارجية غير مرحّبٍ به في العالم - يقف الظلّ المتطاول لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، الذي بات صيته ينحصر في مربع "الشخص الذي لا يمكن الثقة بأقواله!".
ولكن صناعة الأكاذيب هذه، اصطدمت مجددًا بصخور الواقع.. واللافت هذه المرة، أنها ليست صخرة الموقف الذي يرفع راية الحقوق الفلسطينية العادلة، بل آخر من يخطر في البال.. إنها أجهزة "الأمن" الاسرائيلية كلها، "موساد" و "شاباك" و "مخابرات الجيش" وتى طواقم الخبراء في وزارة الخارجية نفسها (!). وهي تقول بوضوح: لا يمكن التخفيف من التوتر الحاصل، ومن التعامل العدائي مع اسرائيل ومواجهة تراجع مكانتها الاستراتيجية، إلا بحصول تقدم سياسي حقيقي على المسار الفلسطيني.
فقد كشفت مصادر مقربة من وزير "الأمن"، ايهود براك، أن تلك الأجهزة أجمعت على ما سلف في تقاريرها المقدمة الى الحكومة، عشية بحث الأمم المتحدة مطلب الاعتراف بفلسطين دولةً مستقلة كاملة العضوية. وهي تؤكد أن الوضع الاقليمي الجديد في ضوء "الربيع العربي" سيعود بالضرر على اسرائيل اذا لم تعِ هذه الأخيرة ضرورة التقدم الحقيقي على المسار الفلسطيني.. بل ان وزير "الأمن" براك اعترف علانية بأن وضعًا فلسطينيًا أفضل كان سيمنع تردّي العلاقات الاسرائيلية مع مصر وتركيا.
إن هذا التناقض داخل المؤسسة الحاكمة في اسرائيل، يشكل اعترافًا (اضطراريًا!) من جهتها بأن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني كانت، لا تزال وستظلّ جوهر الصراع في المنطقة.
فمهما راهنت هذه المؤسسة على أساليب مخادعة للتهرّب من الاستحقاق الفلسطيني، سيظلّ الواقع ومجرياته ومقتضياته يعيدها دائمًا، مجرورة من أنفها المتغطرس، لمواجهة الحقيقة التي لا مفرّ منها - لا استقلال، ولا استقرار، ولا أمن، ولا أمان لإسرائيل طالما واصلت انتهاك الحقوق الفلسطينية العادلة في الاستقلال والسيادة والعودة!
