ليست غريبة ولا مستهجنة اتهامات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للرئيس محمود عباس ولرئيس الوزراء سلام فياض، فالسياسة الوطنية الواقعية المشتركة التي يمثلها أبو مازن وحركة فتح من جهة، ورئيس الوزراء وحكومته الائتلافية من جهة أخرى، تمثل أداة إدانة ووسيلة تعرية لبشاعة الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وانتهاكاته للأعراف الإنسانية وللقرارات الدولية ولحقوق الإنسان الثابتة غير القابلة للتصرف أو الإهمال أو التبديد.
كما أن أفعال ومواقف وسياسات أبو مازن - سلام فياض الصائبة، تشكل عامل جذب ومبعث احترام ومصدر تضامن فعال من قبل المجتمع الدولي، مع قضايا الشعب الفلسطيني الثلاث، حق الفلسطينيين في إسرائيل بالمساواة، وحقهم في فلسطين بالاستقلال، وحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم واستعادة ممتلكاتهم المنهوبة من الدولة العبرية ذات النزعة والثقافة والسياسة الاستعمارية التوسعية العنصرية.
لقد استطاع التحالف الوطني الذي يقود منظمة التحرير الفلسطينية وسلطتها الوطنية المشكلة أساساً من حركة فتح ومن المستقلين وفي طليعتهم سلام فياض والعديد من الشخصيات والفعاليات المستقلة، ومن الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب والجبهة الشعبية و"فدا" وجبهة النضال والمبادرة والفلسطينية والعربية وغيرهم، استطاع هذا التحالف خلال السنوات القليلة الماضية وخاصة بعد الانقلاب الدموي الذي قادته حركة حماس بدعم وإسناد من قبل حركة الإخوان المسلمين العالمية العابرة للحدود، تحقيق ثلاثة إنجازات مهمة يقف في طليعتها أولاً: فك الحصار السياسي والمالي عن منظمة التحرير وسلطتها الوطنية وتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين في الضفة والقدس والقطاع، وثانياً: وقف التجاوزات الأمنية وفوضى السلاح والفلتان الأمني وإرساء سياسة واقعية في مواجهة الاحتلال والانقلاب، وثالثاً: الارتقاء بمستوى أداء السلطة الوطنية وأجهزتها ومؤسساتها التي حظيت بقبول واعتراف مؤسسات المراقبة والمانحين الدوليين.
نجاح سياسات منظمة التحرير بانتظام عمل مؤسساتها، اللجنة التنفيذية، والمجلس المركزي، ونجاح عمل السلطة الوطنية وحسن أدائها، مقرونة بسياسة دبلوماسية نشطة واقعية تقوم على إبراز حقوق الشعب الفلسطيني واحترام قرارات الأمم المتحدة، وكذلك تنفيذ استحقاقات خارطة الطريق، كل ذلك وغيره أخرج إسرائيل عن طورها، وسحب من بين أيديها أسلحة كانت تستغلها لتسويق نفسها على أنها الضحية في مواجهة الإرهاب الفلسطيني.
الفعل الإسرائيلي المتطرف، على الرغم من تركه عذابات مؤلمة في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني، إلا أنه بات سلاحاً بيد الفلسطينيين لعزل إسرائيل وحشرها في زاوية الإدانة الدولية والرفض الإنساني لأفعالها المشينة، كما أدى إلى زيادة درجة التضامن الأممي مع الشعب الفلسطيني والتعاطف معه لمواجهة الاحتلال وأفعاله الاستعمارية المؤذية المنافية لكافة القوانين والأعراف والقيم الدولية.
الواقعية الفلسطينية أداة قوة، تعطي ثمارها بشكل تدريجي متراكم، لصالح الشعب الفلسطيني، بينما تشكل سياسة إسرائيل المتطرفة الاستيطانية القمعية، وعقوباتها الجماعية، عامل خسارة لإسرائيل وحلفائها، وهي حصيلة تجعل نتنياهو في موضع يخرج فيه عن اتزانه السياسي والشخصي حينما يتهم أبو مازن وسلام فياض والسياسة الواقعية الوطنية الفلسطينية أنها داعمة للإرهاب أو حاضنة له، أو محرضة عليه.
تصليب الجبهة الداخلية الفلسطينية عبر تمتين الائتلاف الوطني الذي يقود منظمة التحرير وسلطتها الوطنية، واتساع هذا التحالف وتعميقه، هو السلاح القوي والفعال والمجرب لمواجهة المستعمرين على طريق هزيمتهم، كما أن السياسة الوطنية الواقعية هي وحدها التي تعزز صمود الفلسطينيين على أرضهم وتعزيز حضورهم وتتيح الموارد وتيسر الحياة في وطنهم، ومن هنا قيمة ما يفعله الفلسطينيون على أرضهم، ومن هنا تنبع أهمية توسيع رقعة البناء والحياة في وطنهم، في إطار برنامج حكومة منظمة التحرير، حكومة الائتلاف الوطني التي يقودها سلام فياض بدعم وثقة من قبل الرئيس أبو مازن وحركة فتح.
تصليب الجبهة الداخلية يتطلب تحقيق الخطوتين اللتين دعا لهما المجلس المركزي الفلسطيني في دورته الأخيرة، دورة الشرعية الدستورية، وهما:
أولاً: إجراء الانتخابات البلدية، وثانياً: عقد المجلس الوطني الفلسطيني، وذلك بدون أي انتظار لإنهاء الانقلاب وتراجع الانقلابيين وعودتهم إلى حضن الشرعية الفلسطينية، شرعية صناديق الاقتراع والائتلاف الوطني، والحفاظ على التعددية السياسية والحزبية والفكرية، واحترام قيم تداول السلطة وشرعيتها المستمدة من قرارات الفلسطينيين عبر صناديق الاقتراع، فالانتخابات البلدية حق وأداة وسلاح لتحصيل الخدمات وتوزيعها ومشاركة الناس في شؤون حياتهم، إضافة إلى كونها تفعيلاً للحياة السياسية وتوسيع قاعدة المشاركة وتنشيط القوى السياسية وانخراطها في مسامات الناس اليومية والمعيشية، أما عقد المجلس الوطني فهو ضرورة سياسية لتأكيد الشرعية وضخ دماء جديدة في مؤسساتها الأربع (التنفيذية والمركزي والمجلس الوطني إضافة إلى مجلس إدارة الصندوق القومي).
الفعل الكفاحي على الأرض المرافق لعمل وبناء المؤسسات الحكومية، أغاظ قادة إسرائيل ودفع نتنياهو ليعبّر عما في نفسه نحو أبو مازن وسلام فياض.
