حديث الشيخ والفتى

single

"إبن حلال لا يخاف السلطة"- الراحل نمر مرقس

 

*لذكرى المربِّي والقائد خالد الذكر نمر مرقس*

 


قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: "مع انتهاء السنة المدرسية 53/1954 أبلغتني دائرة التعليم عن نقلي للعمل في مدرسة برطعة في المثلث الشمالي على الحدود مع المملكة الأردنية – آنذاك – وأبلغت زميلي إلياس دلة بنقله من عكا للعمل في مدرسة معاوية، قرب أم الفحم، في المثلث الشمالي، وهكذا أيضا زميلي فريد جهجاه الذي أبلغوه بالانتقال  من مدرسة بلده أبو سنان إلى جت في نفس المنطقة – المثلث الشمالي"(1)
قال التلميذ الفتى لأستاذه الشيخ: أما أنا فأبلغتني وزارة التعليم برسالة بريدية تسلمتها في يوم الجمعة الموافق 30 آب 1969م أنني عُيِّنتُ معلما بمقدار 24 ساعة في مدرسة برطعة الابتدائية، وأن علي مزاولة عملي في يوم الأحد الموافق الفاتح من أيلول 1969م".
قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى:" كان واضحا أن هذا نقلا  تعسفيا وتعجيزيا. ويظهر أنه يهدف تيئيسنا وإجبارنا على ترك العمل. " (2)
قال التلميذ الفتى لأستاذه الشيخ: أما أنا فهذا تعييني الأول، ولم أكن أعلم كيف قبلت للتعيين، هكذا بدون واسطة ولا ما يحزنون، بل برسالة عادية لوزارة التعليم أطلب بها التعيين".
قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى:"لم أكن أعرف إسم برطعة ولا موقعها. كنت قد قرأت اسمها في أخبار بجريدة الاتحاد عندما نفى الحكم العسكري رفيقنا الفحماوي محمد يوسف الشريدي إليها. وبعد الاستفسار عرفت الطريق التي أسلكها للوصول إليها "(3).
قال التلميذ الفتى لأستاذه الشيخ: "رغم قربها من بلدي فأنا حتى هذه اللحظة لم أدخلها، وعندما أخذوا ابنة بلدنا عروسا لابنهم تعربشت على السيارة الترك ذات السلالم المائلة هنا وهناك، ولكن أهل العرس انزلوني مع بقية الأولاد وحرموني من مشاهدة برطعة التي كانت بدون شارع بالمرة وكان على السيارة إيصال العروس لأقرب موقع قد تصله نحو برطعة".
قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: "غادرت أم الفحم لعرعرة، ونزلت إلى جانب بناية قرب  الشارع، كان هناك مقهى آنذاك. فالطريق إلى برطعة تبدأ هناك، ومشيا على الأقدام ثلاثة أرباع الساعة باتجاه الجنوب، فتصل برطعة كما وصفوا لي." (4).
قال التلميذ الفتى لأستاذه الشيخ: "غادرت بيتي وكان جنوب البناية التي أشرت إليها ونحن  نسميها "المشبير" ذلك لأن الدكان كان وكالة لشركة "همشبير لتسرخان" التي كانت تتمتع بدعم حكومي وجيلي لم ير الدكان الذي شاهدته يا  أستاذي بل ذهب الدكان وبقي الاسم، وبقي الطريق إلى برطعة من بيتي مشيا على الأقدام ثلاثة أرباع الساعة باتجاه الجنوب، كنا نصل إلى برطعة ولمدرسة برطعة، أما درس المعلم الشاب الأول فكان تحت الشجر في العراء، يا أستاذ خذ طلاب الصف الثاني تحت تلك الشجرة وعلمهم الدرس الأول حساب والثاني لغة عربية... يا ساتر أول درس تعليم  في حياتي تحت الشجر! ولماذا يا أستاذ ؟ سألت المدير: قال أنت تعرف مدرستنا صغيرة ولا يوجد غرف تتسع للطلاب، وبعد التعليم كان علي أن أعود باتجاه الشمال نحو عرعرة مشيا على الأقدام ثلاثة أرباع الساعة لأصل إلى قريتي، وكان الدرس الأول بالتمييز الفعلي.
قال الأستاذ الشيخ لتلميذه الفتى: أما أنا فـ"استأجرت غرفة لسكني. كانت خشة بمفاهيم أهل بلدنا، أما مساحتها فلا تتجاوز  الثمانية أمتار مربعة. تقوم على حافة الدرب التراب الوعري العابر من غرب القرية حتى شرقها. حيطان الخشة من حجارة الدبش الغشيم، مبنية كبناء السناسل، ومطينة من الداخل بالتراب الأحمر البني المخلوط بالتبن. أما السقف فكان من الباطون. لها شباك على الغرب وباب من الجنوب. وهذا كل ما فيها من فتحات."(5).
قال التلميذ الفتى لأستاذه الشيخ: أما بعد عودتي لبيتي فكان علي أن أنام مع إخوتي وأخواتي في غرفة 4/5م وفي الصيف  يخرج الشباب للنوم على السطح، ولذلك أول ما فكرتُ به بعد تعييني أن أبني غرفة 4/4 لأستقل وليكون بالامكان تحضير الدروس للطلاب بهدوء ولو على"اللكس" فحتى الآن لم تصلنا الكهرباء بعد. ولكنني أود إخبارك يا أستاذي الشيخ أن المعلمين أو بعضهم كان يلهج سرا باسم المعلم الطيب المعطاء الشيوعي نمر مرقس الذي نفي إلى بلدنا – أي إلى برطعة – ولم أكن أعرف نمر مرقس ولا كفر ياسيف إلا بالاسم، فوصفوه بأنه إبن ناس وإبن حلال يساعد الطلاب والأهالي ولا يخاف السلطة ولكن دير بالك الحيطان بتسمع لا تتحدث عن هذا الموضوع بالمرة... ومن يومها تعلقت بك وبدأت أبحث عن سيرتك في كل مكان... حتى وجدتك ووجدت طريقك عام 1973م، ولألتحق بركبك الثوري الانساني الوطني، فنعم الرفيق ونعم الصديق.
ورغم رحيلك عن دنياي المحسوسة سأبقى معك، وٍسأحاول أن أتبادل معك الرسائل.

 

  • إشارات:


1- مرقس نمر (آب 2000م)، أقوى من النسيان، رسالة لابنتي..، ص138.
2- المصدر نفسه ص138.
3- المصدر نفسه ص142.
4- المصدر نفسه ص142.
5- هناك ص142.

قد يهمّكم أيضا..
featured

مصر التي..... في خاطري..... وفي دمي

featured

وتبقى الأرض لبّ الصراع!

featured

هل كان عبد الناصر ديكتاتورا فعلا؟!

featured

عن ثلاثة مديرين يعيدون الروح الى التربية

featured

غطرستنا هي مأساتنا

featured

بيت موحّد وعزيمة حرّة

featured

رؤيه نتنياهو للسلام

featured

اعتداء مُدان يتجاوز عنوانه المحدد!