من المتوقع أن تكون الندوة التي دعت إليها نقابة المحامين لواء الشمال ليوم غد 5.12.2009 في الناصرة، ندوة ً هامة، لن تخلو من المضمون والطرافة.
فعندما سيلتقي ثلاثة من القضاة العرب المتقاعدين (وهم عبد الرحمن الزعبي، خليل عبود ورايق جرجورة) مع جمهور عارف وتواق لسماع ما سيتحدثون حوله خارج قاعات المحاكم، كما جاء في الدعوة، سيتعدى ذلك حالة التذكر والتندر عما صادفه كل منهم خلال سني عمله قاضياً في محاكم إسرائيل على اختلاف درجاتها وأماكنها.
لا من باب نقص في الطرائف والنوادر ولا من باب إغفال وقعها المحفز على من سيتلقاها في تلك الليلة، إنما لاعتقادي بأن هذه الندوة هي من الفرص القيمة التي تتيحها رئاسة لواء الشمال في نقابة المحامين وتكاد تكون من السوابق التي ستجمع ثلاثة سادة عملوا قضاة في جهاز لطالما خضع إلى تقييمات متباينة في أوساط الأقلية العربية في هذه البلاد.
في السنوات الأخيرة تتكاثر الأصوات الناقمة والناقضة لآلية عمل جهاز القضاء الإسرائيلي وما يمارسه بحق الجماهير العربية في البلاد. كثيرون تحدثوا عن كيل هذا الجهاز بمكيالين، والإجحاف دائماً يكون من نصيب العربي، سيان إن كان متهماً في إجراء جنائي، أو مدعياً أو مدعى عليه في إجراء مدني، أما مكانته، أي العربي، منازعاً السلطة ومؤسساتها في محكمة العدل العليا فهي دونية دوماً، وحصة السلطة، مصلحتها وأمنها، مكفولة في كفة الميزان الراجحة.
"ثلاثة قضاة يتحدثون خارج المحكمة" هو عنوان الندوة. من يقرأ العنوان يتأهب ويفهم أن السادة القضاة سيتحدثون بما تعذر الحديث عنه في زمن ممارستهم القضاء وأن الحضور سيسمع ويفاجأ بمواقف غير تقليدية وفيها من الجديد والحقيقة والجرأة ما يحول حضور الندوة إلى أكثر من واجب بل تشوق وانتظار، فلا يمكن لعنوان مثل هذا أن يفهم على سبيل توصيف الحدث وكونه خارج المحكمة، لأن الجميع يعرف أن الأفاضل متقاعدون والحديث يجري فعلاً خارج المحكمة!
من المسائل التي لازمتني خلال ثلاثة عقود من عملي كمحام كانت تلك المقولة الشهيرة المكررة في قاعات محاكم الدولة والتي تفهمنا أن "القاضي يجلس بين أبناء شعبه". لهذه المقولة دلالات عدة وإيقاعات مختلفة، ولكني تساءلت دوماً ما هو وقعها على قاضٍ عربي يعمل في جهاز الدولة ووفقاً لقوانينها وأحكامها؟ خاصةً عندما تستوجب الحالة الماثلة أمام سعادة القاضي الاستعانة بمثل هذه المقولة وتطبيقها في هذه الحالة لا يقضي بالضرورة لذات النتيجة لو سمعت أمام قاضي يهودي يجاور القاضي العربي وهو أيضاً "يجلس بين أبناء شعبه"!
من الجائز استدعاء كم كبير من الأمثلة ومن ميادين مختلفة ولكنني أتساءل حول هذا لأسأل أيضاً ما هي الضوابط التي تمنع قاضياً عربياً مزاولاً أن يقول ما قد يقوله خارج المحكمة عندما كان يمارس قضاءه؟ علماً بأن استقلاله مكفول بالقانون ومحاسبته تجوز في أمور ضيقة ومحددة ولا شأن لها بحكم قضائي معزز بما يكفي من شواهد ودعائم.
لا أسأل سؤال العارف، بل آملاً أن نسمع رأياً في هذه الندوة من ثلاثة أجلاء تزودوا بخبرة الحياة وهي كنز الكنوز ومارسوا القضاء في جهاز لا أعرف إن أنصفهم، ولكنني متيقن أنه في أحيان كثيرة ما أنصف من التجأ إليه من المواطنين العرب في هذه البلاد، مرغماً كان أو عن طيب خاطر آملاً بالحق والعدل.
سيكون لقاءاً مميزاً، هكذا أتصور، لأنه سيتيح لكل من يحضر أو يقرأ عنه فيما بعد، فرصة ستجمع بين ثلاثة من رواد العمل القانوني في البلاد ومن ثم العمل القضائي وبين جمهور مهتم وقلق على ما يواجهه في مهنة المحاماة وما يحفها من انزلاق وعثرات لا مكان لتعدادها هنا.
كانوا من الرواد في جهاز عنوانه العدل والقانون والقضاء ولم يعرف هذا الجهاز كيف يحقق عملياً بين صفوفه ذلك العدل وتلك المساواة فأعداد القضاة العرب عبر السنين كانت وما زالت ضئيلة ولا يبرر ذلك إلا سياسة التمييز حتى في هذا السلك.
أقول هذا لأننا نسمع دائماً مطالبات من جهات مختلفة عربية وغيرها، نقابية وأخرى، على ضرورة جسر هذه الفجوة بتعيين قضاة عرب توازياً مع نسبتهم السكانية. وبديهي أن من يطالب بهذا يؤمن به كحق مستحق لهذه الجماهير، أما أنا فسأتساءل باسم من لا يعتقد ذلك: هل حقاً تعيين قضاة عرب في هذا الجهاز يعد إنجازاً وفوزاً يستحق التهليل؟
حقنا أن نسمع رأي سعادة القضاة حول ذلك ومبرراتهم لأي احتمال يؤمنون به وذلك لما ادخروا من تجربة وما علق بها من محاسن وأضداد.
وكي لا أعفي نفسي من موقف من هذه المشاكلة، أقول أنني أنادي، مع من ينادي بوجوب تعيين قضاة عرب أكفاء في جميع محاكم الدولة وعندنا مثل هؤلاء كثيرون. أنادي بهذا وأعرف بأن تكون عربياً وقاضياً في هذه البلاد هي مهمة فيها من العسر قدر يتحكم فيه أولئك الذين يريدونك أن تبقى قاضياً في المحكمة وعربياً خارج باحاتها وهي بذلك تمسي غاية نيلها كان وسيبقى "أعز من بيض الأنوق".
