شحّاذ في بكّين

single
السّفر من مطار اللد إلى مطار بكّين تسعُ ساعات ونصف السّاعة متواصلة بدون إستراحة ذهابًا (وإحدى عشرة ساعة ونصف السّاعة إيابًا). قرأت صحيفتين باللغة العبريّة. فاز دونالد ترامب وسقطت أمريكا. شتم هذا الأهوج خصومه وأصدقاءه وكذب في الصّباح والمساء وصدّق الشّعب الأمريكيّ الكذب وفاز ترامب.
أشكو من ساقيّ وقدميّ ومؤخّرتي أو ما تبقى منها بعد هذا العمر الطّويل. ساعاتٌ طويلة وأنا قاعد لا أتحرّك والمقعد ضيّق فمضيفنا الصّينيّ حجز لنا تذكرتين سياحيّتين. نهضت بعد ساعات عن مقعدي وسرت بصعوبة في الممرّ بين المسافرين. إمرأة نائمة وطفلها يداعب شعرها، وشابٌّ تلهو أنامله بجهازه النّقّال، ورجلٌ أسمر يتابع فيلمًا سينمائيًّا على الشّاشة الصّغيرة، وثلاثة شبّان يتحدّثون العربيّة ويضحكون فرحين. حيّيتهم متطفّلا فرحّبوا بي وقال أحدهم مازحًا: أنا مسافر إلى الصّين لنشر الدّين الإسلاميّ فقلت مداعبًا: لعلّك نسيت لحيتك في الوطن. تقدّم منّا شابٌّ رابع يبدو أنّه زميل لهم وقال يخاطبني: أنت... ....لا بدّ من انّك تعرف والدي فأنا من أم الفحم. ترحّمت على أبيه. إستغرب الشّبّان هدف سفري وقال أحدهم: نسافر إلى الصّين لنشارك في دورة للإستيراد والتّصدير وأنت تسافر لتتحدث في ندوة أدبيّة. هل هناك من يعرف اللغة العربيّة في جامعة بكّين وهل هناك من يقرأ كتبًا في هذه الأيّام ؟
سافرت ورامز جرايسي قبل عامٍ ونصف العام إلى كندا وكانت سفرة طويلة ومملّة جدًّا فالرّجل لا يتقن النّميمة، رياضتنا القومّيّة وليس له نصيب فيها ولو كان له لشرّحنا الخصوم والأعداء والأصدقاء وجرحناهم وشرشحناهم وعرّيناهم. ولكن لا بأس نحن نتحدّث في هذه السّفرة عن ترامب وبوتين وبشّار والسّيسي وحبّذا لو كنّا مختلفين في الآراء .  
وصلنا إلى بكّين في الخامسة صباحًا حسب توقيت الصّين يوم الجمعة الحادي عشر من تشرين الثّاني 2016 وأستقبلنا في المطار الأستاذ صلاح شهاب من سفارة فلسطين والآنسة الصينيّة عاطفة ولمّا إستفسرتُ منها عن إسمها أجابت بأنّها تدرس اللغة العربيّة في الكليّة وعلى كلّ طالب أو طالبة يدرس في هذا الفرع أن يختار إسمًا عربيًّا له. إسمها عاطفة واسم مدرّسها بسّام واسم مدرّستها أميرة وزميلتها التي سترافقنا في الغد لبيبة.
 الطّقس في بكّين بارد "يقصّ المسمار" ومضيفونا الصّينيّون بسّام وأميرة وزملاؤهما غمرونا بالدّفء وأمّا أحبابنا وأهلنا أبو رشاد وصلاح وعزّت ووائل وأبو تامر وكريم وأبو هاشم وأخوتهم وصاحبا مطعم (السّفير) فقد حبونا بالمحبة والكرم.
شوارع بكّين حديثة وعريضة ونظيفة وتعجّ بالسّيّارات الجديدة من شتّى الأصناف ومنها الغالية الثّمن. والنّاس يرتدون ملابس أنيقة ووجوههم مرتاحة. والبنايات عالية، وهناك أحياء راقية وأشجار خضراء وحدائق جميلة. زرنا المدينة المحرّمة والمدينة الطويلة التي نسّميها سور الصّين العظيم ومررنا بميدان تيان مين أكبر ميدان في العالم. وفتّشتُ عن الإشتراكيّة!!
إستقلّت الصّين في العام 1948 بعد إستقلال مصر والعراق وسوريا والأردنّ وكانت دولة فقيرة ومتخلّفة وأمّا الصّين اليوم فهي دولة عظمى وتغرق الأسواق العالميّة بصناعاتها وببضائعها فيما عالمنا العربيّ يشكو من نقص في الخبز والسّكر فالفقر والتّخلف ما زالا يعشّشان في مدنه وأريافه.
شاهدت في بكّين رجلا متسوّلا واحدًا لا غير وعلمتُ انّه عربيّ وأخبرني د. بسّام أنّ الشّاعر العراقيّ سعدي يوسف كتب عن زيارته للصّين وعن الشّحاذ العربيّ الوحيد.
يا حبيبنا سعدي يوسف، أيّها الشّاعر العراقيّ الكبير الذي تعيش في الغربة ما رأيك أن نكتب على بوّابة عروبتنا: أطلب التّسوّل ولو في الصّين!
قد يهمّكم أيضا..
featured

معلمو المدارس الثانوية يستحقون أكثر

featured

أوقفوا التنسيق الامني

featured

البداية في منتصف الطريق

featured

كم تغيرت فلسطين

featured

- تشريح أمريكا وإسرائيل-

featured

جرائم ضد صيادي غزّة

featured

بيروت الكرامة .. وعرسال الانتفاضة

featured

حيث يمحون اللافتات