أجلس القرفصاء هناك، على حافة الانهيار الى اللارجوع، تلك هي نقطة التحول من انسان الى لا انسان، لا اريد أن اقول انها التحول من انسان لجماد، لكي لا أظلم الجماد، فلربما كان لديه قسط من المشاعر نحن لا ندريه. أجلس على حافة الهاوية، أنظر الى الاسفل، الى من سبقوني الى هناك، ذلك المجهول الذي لم أعلمه يوما، ولكن قيل لي إني على الاغلب سأصله خلال مسيرتي في ذات يوم. أكرر النظر، اه كم أحتقرت هؤلاء الاشخاص يوما، أحتقرتهم بشدة، تفننت في أحتقارهم ورقصت على حطام كرامتهم الضائعة في الوضع الذي الوا اليه، فجأة شعرت بركلة من الخلف تدفعني لأقع في الهاوية، أتشبث في الحافة، وأنظر خلفي، واذ بصورة لجثث متراكمة متعفنة في أحد الشوارع تفر هاربة، لماذا ركلتني هذه الصورة؟ ومن هم هؤلاء الاشخاص؟ الم تنته الحرب على غزة، الم أتنفس الصعداء لانني لن أر صور الجثث المتعفنة بعد الان، لماذا أذًا تلاحقني هذه الصورة ومن أين أتت؟ الم في معدتي يليها شعور بالغثيان وعندما ركعت على الارض من شدة الالم رأيت العبارة تحت الصورة "صبرا وشتيلا " – هي مجزرة صبرا وشتيلا اذا!! يا الهي كم تشبه الصور من الحرب الاخيرة على غزة... أشحت بوجهي عن الهاوية ونظرت الى المدى البعيد، وتراءت لي المئات من الصور، كميات هائلة من الجرائم بحق الانسانية، جثث أطفال في الشوارع، نساء تولول، جثث شيوخ متعفنة، مقابر جماعية، هي المشاهد والصور بعينها التي وصلتنا عبر الشبكة العنكبوتية قبل شهر، هو الاجرام بعينه، البشاعة والفظاعة ذاتها، الوحشية ذاتها، والمجرم واحد!
تتبدل أرقام السنين، عدد الضحايا، الوجوه المصطنعة التي تحتل الشاشات، القيادات، الاصوات المطالبة بوقف المجازر في الساحات ولكن يبقى الجرم بعينه! جميع هذه الجرائم منفذها هو واحد، لم نستطع أن نردعه أو نوقف مسلسل سفك الدماء الذي يكون هو بطله، ضعفنا وعجزنا وشعورنا بقلة الحيلة لم يتغير هو أيضا على مر السنين، هو هو ما زال قائما حتى اليوم، يردعنا عن التصدي لهذه الجرائم، يجعلنا ننظر الى الصور ونتألم وأحيانا نبكي (ان حافظنا على قدرتنا في التأثر والبكاء) ومن ثم نقلب الصفحة، ونتوجه الى الخبر التالي، وكأن شيئا لم يكن.
أحيانا أسأل نفسي، كيف سأواجه أبني الثائر عندما يكبر ويسألني كيف أستطعت أن ألتزم الصمت والخوف أمام مجزرة أرتكبت بحق أطفال في مثل جيله في غزة؟ ماذا سأشرح له عن الاسباب التي دفعتني الى البكاء أمام تعفن الجثث - ولكن بنفس الوقت لم تدفعني الى الخروج الى الشارع لأحاول أيقاف المجزرة؟ كيف سأشرح له أنني خلال 50 يوما رأيت أشخاصا يذبحون وأنا لم أبرح أريكتي المريحة في بيتي لساعة واحدة من أجلهم؟ عندما سيواجهني أبني بأنسانيتي المصطنعة لا أعلم كيف سأرد عليه وبماذا سأدافع عن نفسي، أرى نفسي عندها كالطفل الصغير يجلس في الزاوية منكمشا على نفسه ويبكي بحرقة عندما يوبخه أهله، فليس لديه أي جواب لاي أتهام، فكل التهم صادقة بحقه.
لا أستطيع أن أتحرر من فكرة أننا "نحن" مسؤولون أيضًا عن هذه الجرائم بحق أنسانيتنا أولا، "نحن" مجرمون بحق أنفسنا وبحق البشرية، صمتنا عما يجري، عن صور القتل والدمار، هو السبب الرئيسي في استمرار هذه المجازر، هناك منا من أختار الخروج في مظاهرات ولكن أتساءل: هل المظاهرات هي فعلا الحل؟ وما مدى نجاعتها عندما لا يكون فيها عدد كاف من المشاركين لتقلق منام قيادات الدولة؟ هل المظاهرات بدون خطة معدة مسبقا مدروسة لردع الوحش الصهيوني من الاستمرار في ارتكاب مجازره هي ما نحتاجه؟ (مع كل أحترامي لكل الذين خرجوا في المظاهرات وتقديري لجهودهم الجبارة في أسماع صوتهم المناهض لهذه المجازر) - توقف العدوان على غزة فترة وثم رجع بهجمة أشرس من ذي قبل – ماذا فعلنا؟ لا شيء! هل قياداتنا الخاملة والهرمة هي السبب في ما وصلنا اليه من عدم مبالاة؟ هل علينا أن نحاسبهم أيضا؟ لماذا لا نتحرك!
أحيانا أشعر أن الانجاز الاول والاهم للحركة الصهيونية وقوى الرأسمالية العالمية هو ترويض انسانيتنا. في اللحظة التي لا تدفعك فيها صورة طفل يبكي فوق جثة أباه وأمه ويولول لان ليس لديه أي مأوى وأي ملجأ وكل أفراد عائلته قتلوا على يد التتار – بغض النظر عن مكان التقاط الصورة أو السنة أو الفاعل – وأنت تجلس في بيتك الدافئ تحزن قليلا وتكمل يومك بشكل اعتيادي - اعلم أن انسانيتك قد روضت، وفقدت جزءا كبيرا منها لتدخل عالم اللامبالاة واليأس والشعور بالعجز وقلة الحيلة. إن لم تدفعك هذه الصورة الى الخروج للشارع صارخا فليسقط العالم، متخبطا هنا وهناك لتجد وسيلة لوقف هذه المشاهد أو مساعدة هذا الطفل – هذا يعني أن أنسانيتك في قيد الاندحار والتلاشي – وهذا حال أغلبيتنا. لقد نجحت اسرائيل في جعلنا نتقبل جرائم الانسانية كجزء من مسار حياتنا اليومي، أصبحت مشاهد القتل والدمار والدماء واليتم والتشريد جزءا من مسار حياتنا الطبيعي، لدرجة أننا لم نعد نأبه لشيء، فلا شيء يهم، وكل منا يعمل بحسب المثل القائل "أنا ووراي الطوفان"...
ها أنا ذا على حافة تلك الهاوية من جديد، تهب رياح قوية، قوى خفية تدفعني الى الوقوع في الهاوية، يشرئب عنقي وأنظر الى الاسفل فأرى جموعا تضحك، تناديني تعالي الى هنا، فهنا لا يوجد هموم ولا يوجد أحزان، نحن شعب اللاشيء، المعزولين عن العالم، تعالي... أهم بالسقوط للانضمام لهم، فهم يبدون لي سعيدين، ولكن فجأة يستوقفني شعور قوي يردعني الى الخلف، أظن أنني استعدت أنسانيتي بكمالها المتجلي، أو أنها لم تبرحني قط، لا أعلم.. نهضت واقفة على قدميّ وأدرت ظهري لذلك الجحيم. الهاوية من ورائي والدرب الطويل من أمامي، ابتسمت للحظة وتنفست الصعداء ومضيت فيه مرددة "منتصب القامة أمشي مرفوع الهامة أمشي في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي، وأنا أمشي وأنا أمشي...".