على بعد مرمى حجرالى الشرق الشمالي من الناقورة؛ انتصب المرحوم الدكتور يوسف صايغ - ابا يزيد مرحبا بنا في بلدة البصة. كيف لا و هو من دثرني برداء محبته فعمدني و شفيق الحوت ابو هادر كاتبا و صحفيا. هاتفني ابا يزيد في ايار/ مايو 1998، فقال "حسين؛ اريدك ان تذهب منحة زمالة الى جامعة اوكسفورد"، "ان تبنيتم ترشحي و تزكيتي أقبل" قلتها مازحا، "ان لم ارشحك انت وازكيك فمن ازكي" رد ابا اليزيد بصوته الرصين. بعد ان تعرفت الى ابا اليزيد بقليل؛ وصلت الاجتماع المقرر في بيته لأجد الزملاء في حال مرح يتغامزون كأنهم في جلسة نميمة، ليس اسمي عنها ببعيد. بادر ابا اليزيد بالتوضيح فقال: يا حسين، قلت للشباب ان لدي قارورة ويسكي فاخرة، ارغب احتسائها بمعيتكم لكني متردد و لا اريد ان ازعج حسين، سألني الشباب لماذا؟ فقلت لهم يبدو لي ان حسين متدين كونه يلقي التحية بعبارة "السلام عليكم". ضحك الشباب و قالوا انت محق يا ابا اليزيد علينا ان نحتسي قارورة الويسكي قبل ان يصل حسين، لأن الاكيد ان نصيبنا من شرابها يقل لو حضر.
لم يبق من بلدة البصة هانئة زمانها سوى اكوام حجارة صخرية متناثرة وبقايا المسجد و الكنيسة يتعانقان بحزن و قد وحدهما و ساوي بينهما تمادي الاحتلال باهمالهما. اجتاحتني رغبة ان اصرخ مناديا على اهل صور، قانا، البازورية برج الشمالي، جويا دبعال دردغيا، العباسة، طيردبا، النبطية، صيدا بحاراتها القياعة و عبرا و عين الحلوة و المية و مية ليشهدوا على رؤياي. ماذا تنتظرون ياسادة لم لا تبعثون بدهاقنة الامم المتحدة باعة التنوع ليتعلموا درسا في التسامح من حجارة كنيسة البصة ومسجدها. عفوا يا سادة، لماذا لا تقيمون اعدل المحاكم لمقاضاة حاقن الفتن و ناعق الطائفة القزم الاسير و رعاعه و حُماته فتنصبوا له و لهم و لهم مشنقة على حائطي الكنيسة و المسجد. يهرب التشاؤوم فزعا و انت تتعربش التل الى بقايا قرية اقرت. لا تفاجأك رسومات ناجي العلي و شعارات كتابات تعانق الجدران تقول لك ان اهل فلسطين احياء و الراية تنتقل بتلسل زمني و عمري لا يعرف الانحراف له دربا. شباب فلسطيني اقاموا مخيم عودتهم الى قريتهم رغم مضايقات الاحتلال و تعدياته. الكنيسة اعيد ترميم مذبحها ومقاعدها و لوحات تحمل صور رجال و نساء تجزم ان اهل البلاد الاصليين فلسطينيين وعرب اقحاح. تحدثنا الى شاب في العقد الثاني، فكانت عباراته على بساطتها ترانيم روحانية على لمسات رقة و عذوبة اجراس السيدة فيروز القادم من خلف جبال مقابلة تحتضن رجالا بالباطل متربصين.
ما ان التف ابا الصادق بمقود سيارته يسارا بزاوية حادة حتى عاجله ابو ايوب بأمر نبرته صارمة؛ ابقى الى اقصى اليسار تجنب الحاجز و لا تتوقف عند الكوخ الصغير الى اليمين. ساد صمت؛ استرقت النظر الى الكوخ فاذا بحارس يجلس داخله لم يأتي بأي حركة عندما تجاوزناه من اقصى يمين الطريق. انه مدخل قرية برعم الشامخة على ذلك التل المطل على جنوب لبنان. جعلت حكومة اسرائيل من قرية برعم مركزا اثريا وسياحيا دبج له مؤرخوا الصهييونية اكاذيب ما انزل الله بها من سلطان. شجر الصنوبر يظلل المكان و طريق قادومية ضيقة مبلطة تؤدي الى معبد روماني قديم. بقايا بيوت و جداران تتحدى الزمن و الظلم؛ لم يتعبها الانتظار فنالت بعضا مما ارادات؛ فابو ايوب و صحبه من اهل برعم يأتون في عيد الميلاد من كل عام ليجددوا العهد لحجارة بيوتهم فينفضون عنها بعض غبار الظلم المتراكم. يستسرل ابو ايوب في شرح تفصيلي؛ ام تحكي لجيرانها عن ولدها الغائب و عودته الحتمية.
تابعنا مسيرنا شرقا بمحاذاة الحدود اللبنانية تحت مراقبة عدسات عاليات ترقبنا من تحصينات يقال انها لرجال المقاومة و فوقهم استراحة فسيحة بقرميدها الارجواني الفاتح. سرت نشوة في العروق لم يعكرها الا هدوء عمال كيبوتس (مستوطنة زراعية) لا يبدو القلق او الخوف على وجوههم او تصرفاتهم. سأل احد الشباب احد عمال الكيبوتس عن الطريق الاقصر الى ديشوم. دلنا المستوطن الى مستوطنة ديشون. من حق اللص ان لا يخاف؛ فيكتفي بشرم طرف اذن جمل سرقه ليقول ان هذا الجمل لي و قد سرقه صاحبه مني قبل عشرات القرون و ها انا استعيده و ان لم تصدقوني فهاكم اذنه المشرومة .. !! كان اللص و لا يزال يعتمد على تدليس حكام عرب جعلوا من اعناقهم سدادة للصوص. بعد جدال و حوار نفذنا تعليمات المستوطن فبلغنا ثلاث اشارات توجيهية تنتصب فوق عامود، الاولى باتجاه الجنوب وتقرأ "ديشون"، الثانية تشير الى الغرب الشمالي و كتب عليها "المالكية". رجوت ابا الصادق التوقف قليلا عند الاشارة، ترجلت و معي ترجل الرجال، تفجرت ينابيع الذاكرة باسماء الناس والاماكن؛ لم اصدق نفسي؛ انا على ارض ديشوم، اعلم ان ارضها واسعة و اكبر بما لا يقاس بعدد سكانها. اجلت و اطلت النظر في كل مكان و انا مشدوه. باغتتني في موعدها حمى الوطن و الغربة تلبسني مذ عقود. ترى اين كان يرعى جدي والدي واعامي قطيعهم؟ اين كا ينفخ جدي المجوز؟ و اين الصبايا الجميلات بقدودهن الى جانب الشباب السمر متمايلات؟ أين ارض جدي لأمي ابو ابراهيم - ابو الشباب؟ نبع اسلئة تفجر الى المدى بلا نهايات.... أه، يا ابنة خالتي عمبرة الميزاري، يا تؤأم روحي، قتلتني يوم بلغت لندن على فراش الموت و لم اراك مودعا و دموع حسرة لا تكفكفها ينابع الدمعات. أين انت يا ابي لتأخذني بيدي فتدلني الي بيتي .. أرجوك يا ابي اني تائه، اين بيتي؟ اين قبر جدي و قبور اجدادي و اسلافي؟ صعدت السيارة تابعنا الطريق لنصل الى مدخل مستعمرة "ديشون"، هنا رسم مجسم لغزال و كتابات تنتصب فوق اعمدة تقول ان سكان المستعمرة ينتجون النبيذ. أين انتم يا اهل ديشوم كنتم ترمون بالكفر كل من احتسى قطرة خمر؟ فها هي براميل الخمر تستخرج من عنب ارضكم في ارض "الموازير". كانت المستعمرة مسيجة من الاتجاهات الاربع، تهنا؛ لم نعرف دربا الى قرية ديشوم؛ غمرت العواطف الجياشة ابا الصادق فخرج من المستعمرة وراح يصعد طرق هضاب وعرة احضر المستوطنون عربات خاصة رباعة الدفع لنقل سواحهم و زوارهم لتلقينهم دروسا مزورة في الحضارة والتاريخ. التقينا دليلا سياحيا يسقي ضيوفه سما زعاف، سألني ابو الصادق ان اسأله بالانجليزية عن قرية ديشوم. مكر الفاجر وادعى عدم معرفته؛ فلما سألته عن اسم البلدة اللبنانية المقابة اكتفى بالقول "انها ارضهم". لم يتوقف ابو ايوب عن مهاتفة فلسطينيين يعرفون المكان الى ان جاء بالخبر اليقن. عدنا الى مستعمرة "ديشون" ورحنا نتفحص ابواب جدارها السلكي واحدا تلو الأخر الى ان رأيت شجر الصبار، فصرخت بفرحة طفل وجد امه؛ انها ديشوم توقف ابا الصادق ارجوك. نزلنا ثلاتنا من السيارة و خرجنا من الباب الحديدي الى خارج المستعمرة، انها بقايا قرية ديشوم، هنا بعض بلاطات ربما تشير الى اطلال بيت او مضافة مختار القرية. هنا السنديانة و على مقربة منها ضخرة ضخمة في اسفلها فجوة، هذه عين البلدة وقد بني قوقها مربع اسمني حديث يشير الى ان الماء قد سرقت الى المستعمرة او الى مكان تخزن فيه المياه، الى جانب العين جرن ماء غطي بثوب اسود. المراح الديشومي حولة المغتصبون الى منحلة فيها الكثير من اقفار النحل. انشغلت بالبحث عن قبر جدي، لقد قال لي المرحوم سعيد عبد الهادي - ابو احمد انه وجد قبرين حديثين اثناء زيارته الاخيرة الى ديشوم. أشفقت على ابا ايوب ، ابا اليسار و ابا الصادق، الحر قيضه يلهب المخ و العرق يتصبب من جسد ابا اليسار المنشغل بالتصوير بالفيدو و يشرح لأمي المنتظرة في لندن. لم يقل اي من الرجال كلمة واحدة كانوا غارقين معي في استحضار صور رجال ونساء لا اعرفهم و لم اراهم من قبل لكنهم اسلافي و انا من سلالتهم و صلبهم، احفظ اسمائهم عن ظهر قلب وخيالات صورهم محفورة في ذاكرة لا تبلى و لا تتقادم. لم يبق من اطلال القرية الا نادر الحجارة بعد ان سرق الجيران من ابناء قرية مجاورة حجارة بيوت جيرانهم الغائبين . .؟؟ ..!! .
اجتاحتني رغبة ان اقبل اقدام رفاقي، ايديهم رؤوسهم هذا معروف لا يقدمه الا اكرم الرجال و اشجعهم، قلت كلمات قليلة و سألتهم العودة. في لحظة ما انتصر الامل ، قلت لنفسي سأعود؛ ليس هذه المرة بل في الزيارة القادمة. في طريق العودة مررنا بقرية الجش حيث تناولنا طعام الغداء في مطعم اختار الارزة عنوانا لاسمه. رأيت صفد على اعلى التل ثم مررنا بـ ميرون بلدة الشهيد جلال كعوش و أهله المناضلين الخيريين، انحدرنا الى قرية فراضة فعانقت روح رفيقي احمد ابراهيم الاحمد ابو المنذر الذي افتداني بروحه. لم انسى شهداء تل الزعتر والقائد ابو امل و صالح ابو النعاج و ابو عراج شقيق مهدي.
عدنا الى الطريق 85 الذي انتصبت على يمينه قرى و بلدات الرام، نحف، دير الاسد، البعنة، مجدل الكروم باستثناء البروة على الجهة المقابلة. عندما انحرف ابا الصادق يسارا مررنا بقرية الجديدة – مكر قبل ان نبلغ كفر ياسيف. ما ان دخلنا كفر ياسيف واجهتنا زحمة سير، سأل ابو ايوب ابو الصادق ان ينزلنا لنعود مشيا الى البيت، رفض ابو الصادق. كرر ابو اليسار الطلب؛ رفض ابو الصدادق، اعاد ابو ايوب الطلب فصرخ ابو الصادق اريد ان اشرب معكم فنجان قهوة هل فهمتم ام اعيد؟ علت قهقهات وضحكات الديشومي و الكفرساوي فرددت اسوار عكا الصدي و رفعته الى عنان السماء فعليين.
د. حسين علي شعبان – النمر .
كوفنتري المملكة المتحدة في 23 حزيران/يونيو 2013
