*اخترق الأرض: مرّ فيها عرضًا على غير طريق، واخترق القوم: مضى وسطهم*
//
ظهرت على مرّ التاريخ محاولات الاختراق بين الدول في جميع أنحاء العالم وليست محصورة في منطقة معينة من هذا الكون، وفي شتى مجالات الحياة خاصة السياسية والعسكرية، وفي أي دولة، ان كانت مهمة الاختراقات من وظيفة المخابرات، ان كان داخليا أو خارجيا. فمحليا تحاول المخابرات بشتى الوسائل والحيل اختراق صفوف المعارضة للحكم كتفكيكها وإضعافها، وأيضا خارجيا تحاول المخابرات اختراق صفوف الجهة العدو سياسيا أو عسكريا لإرباكها وإدخالها في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار، وهنا يجب ان نشير إلى ملاحظة مهمة وهي ان محاولات الاختراق موجودة ليس فقط بين الدول العدوة، بل أيضا بين الدول الصديقة، أو بين الدول التي لا توجد بينها حالة من العداوة، وعلى سبيل المثال لا الحصر إسرائيل تعتبر صديقة حميمة للولايات المتحدة الأمريكية، لكن مع كل هذا المخابرات الإسرائيلية حاولت ان تخترق أمريكا في المعلومات العسكرية عن طريق اليهودي الأمريكي جونثان بولارد الذي حاول ان يحصل على معلومات عسكرية أمريكية تستفيد منها إسرائيل مستقبلا في صناعتها العسكرية، لكن المهمة فشلت وضبط بولارد متلبسا بجريمته وأودع السجن من يومها إلى يومنا هذا، لكن الشيء الغريب والعجيب انه بالرغم من خطورة هذه المحاولة أو الفعلة، إلا أنها لم تزعزع من متانة واستقرار الصداقة بين دولة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية.
لقد قلنا في البداية ان محاولات الاختراق موجودة بين كل دول العالم العدوة والصديقة، لكن ما يهمنا في هذه المقالة هو منطقتنا، أي شرقنا العربي، فبعد ان قامت دولة إسرائيل وفُرضت فرضا على شعوبنا العربية، أقامت الدول العربية جدارا من حديد بينها وبين دولة إسرائيل لأنهم اعتبروها جسما غريبا ومشبوها لا يريدون التعامل معه ولا بأي شكل من الأشكال، ولا في أي مجال من مجالات الحياة، لكن المخابرات الصهيونية استطاعت بذكائها وحنكتها وتخطيطها السليم ان تخترق هذا الجدار الحديدي عن طريق رجل المخابرات اليهودي ايلي كوهين الذي تغلغل بين القيادة السورية ووصل إلى قمة الهرم السوري أي قمة الحكم السوري، لكن في النهاية ضبط متلبسا بجاسوسيته وارتباطه مع المخابرات الإسرائيلية، فاعتقل وحكم عليه بالإعدام شنقا حتى الموت.
من الممكن ان تكون هذه أول محاولة اختراق للمخابرات الصهيونية في التحصينات العربية السياسية والعسكرية لكنها ليست الأخيرة، فللمخابرات الصهيونية باع طويلة في اختراق التحصينات في منطقتنا وهذا ان دلّ على شيء فإنما يدل على مدى حنكتهم وتخطيطهم السليم. وآخر ما نشهده في أيامنا هذه هو عمليات التصفية التي تقوم بها داخل الأراضي الإيرانية فبالرغم من ان دولة إيران دولة محافظة دينيا وغير متاحة لمن يشاء، وبالرغم من حدودها الحديدية في وجه الأعداء ان كانوا من الغرب أو من الشرق، إلا أن المخابرات الإسرائيلية استطاعت ان تخترق هذه التحصينات بمساعدة جهات معينة في المعارضة الإيرانية، وان تقوم بتصفية علماء ذرة إيرانيين وبتفجير مواقع عسكرية مهمة، بالرغم من ان حكام إيران دائما يحاولون جاهدين إنكار ضلوع المخابرات الإسرائيلية في هذه العمليات. والهدف من ذلك حتى لا تتزعزع ثقتهم بأنفسهم وحتى لا يدبّ الشك والارتباك بين القيادة السياسية والعسكرية. لكن كل الدلائل تشير ان المستفيد الأول والأخير من هذه العمليات والتصفيات هو دولة إسرائيل، ويكفي ان نقول هذا الشيء حتى نثبت بالدليل القاطع ان المخابرات الإسرائيلية وراء كل هذه العمليات، فدولة إسرائيل تمارس ضد دولة إيران حربا نفسية أكثر مما هي عسكرية.
في النهاية نستنتج من عمل المخابرات الصهيونية ان هدفها البعيد والواحد والوحيد هو الحفاظ على وجودها وبقائها في هذا الشرق العربي، فهذا الهدف كان ولا يزال وسيبقى في سلم أولوياتها وشغلهم الشاغل، فمشاكلها الداخلية من اقتصادية واجتماعية هي ثانوية وهامشية أمام هذا الهدف الأساسي والكبير.
(كفرياسيف)
