العقل أكثر الأشياء توزعًا بين الناس

single
 الدعوة لحوار الحضارات لقيت لدى عامة الناس ومختلف الشعوب استجابة ايجابية ثورية. فعبر التاريخ لم تقم أي ثقافة وأي حضارة كبرى، في ظروف منعزلة أو بصورة أحادية منفصلة. فحتى الحضارة اليونانية والتي حاولت النظريات الغربية الرأسمالية المتأثرة بالمركزية الأوروبية (التي ترى ان أوروبا هي الأصل الأول لكل النتاج الثقافي الحديث والمعاصر)، تكذِّبه الوقائع التاريخية التي أثبتت بان الحضارة اليونانية اقتبست، وأخذت الكثير من تراث الحضارات الفرعونية القديمة بالإضافة إلى تراث الحضارات التي ازدهرت في الشرق.
وكذلك الحضارة الأوروبية أخذت ونهلت الكثير من الحضارة العربية الإسلامية وخصوصًا في مرحلة ازدهارها في الشرق وفي الأندلس. فحضارة الأندلس كانت في مرحلة تاريخية معينة الجسر الذي ربط بين الحضارة الإسلامية المتطورة في الأندلس وبين الحضارة الغربية. وهناك العديد من الدراسات التاريخية الموثقة والتي تكشف عن البعثات التي أرسلها الأوروبيون إلى الأندلس بتعلم اللغة العربية وترجمة عيون الفكر العربي الإسلامي إلى اللاتينية.
لذلك نرفض الفكر الرجعي العربي المعاصر بكل أشكاله السياسية والدينية والذي ينظر للحضارة الغربية والأوروبية كحضارة مادية لا يجوز الاقتباس منها وفي نفس الوقت نرفض مفاهيم "صراع الحضارات" الذي تتبناه الرأسمالية الغربية من خلال "فلاسفتها" و"ووكلائها" أمثال صموئيل هنتنغتون والذي يؤمن فقط بصراع الحضارات كتبرير لاستراتيجيات العدوان والحرب والهيمنة الامبريالية على شعوب الشرق وخاصة الشعوب العربية.
وهنا اقتبس بعض ما جاء في خطاب محمد خاتمي الذي ألقاه في 29 أكتوبر أمام هيئة اليونسكو بعنوان "حوار الحضارات والثقافات" حيث قال: "إن ذلك الجزء من الثقافات والحضارات التي تمتلك  القدرة على التبادل والخطاب والاستماع فقط هو القادر على الاستمرار في الحياة".
ويضيف ان الحوار بين الثقافات والحضارات لا يقوم "بالخطاب والقول فحسب بل يستلزم بالضرورة الاستماع أيضًا. والاستماع – فيما يرى – فضيلة يجب ان تُكتسب وهذه الفضيلة لا تكتسب بسهولة".
ويفسر ذلك بقوله "لأن الحصول عليها يتطلب من الإنسان قيامه بنوع من التربية الأخلاقية والتهذيب النفسي والتعليم العقلي.
إن الاستماع يختلف عن السكوت فالاستماع ليس عملا انفعاليًا محضًا بل انه نشاط معين، نشاط من شأنه ان يجعل السمع ينفتح على الآفاق".
وهنا تحضرني حادثة جرت خلال مؤتمر حوار الحضارات في رودوس قبل خمس سنوات عندما قام ممثل إحدى الحركات اليهودية في أوروبا وطرح مداخلة حول التسامح وكان دوري في المداخلة بعده مباشرة فدعوته لزيارة فلسطين ومشاهدة الجدار العازل ومشاهدة المرأة الحامل والتي لا تستطيع الوصول إلى المستشفى للولادة، وقلت بان القدس تذرف دمعًا لا بل تنزف دمًا كذلك الذي سال على وجه السيد المسيح عندما صُلب، فكان رده ان ترك القاعة بمئاتها المصفقة وخرج، وهذا ما فعلته إسرائيل اليوم أمام خطاب الرئيس الإيراني عندما طلب رئيس حكومة إسرائيل من وفدها لدى الأمم المتحدة ترك القاعة أثناء خطاب الرئيس الإيراني حسن روحاني.
فإسرائيل كدولة عدوانية أساس سياساتها الفكر الصهيوني العنصري الرجعي يرفض الحوار الحضاري ويرفض تقبل الآخر والاعتراف بحقوقه المشروعة والإنسانية وهذه الممارسات تاريخيًا تكون كارثية بالنسبة لمستقبل إسرائيل في المنطقة.
فالحضارات الحية هي التي تستطيع الاستماع إلى الحضارات الأخرى والتي تستطيع اقتباس الأفضل بدون إحساس بعقدة النقص والرفض الرجعي المسبق مثل ما يحدث لدى العديد من الحركات السياسية والدينية الرجعية في عالمنا العربي اليوم.
وكما قال ديكارت "العقل أكثر الأشياء توزعًا بين الناس".
قد يهمّكم أيضا..
featured

"مين أرضه سايبه"..

featured

خالي السعيد في سوريا

featured

بطل أممي دخل التاريخ من أشرف أبوابه

featured

مفتاح الحلّ ليس بأيديكم

featured

قالت الحماة: بحكي يا جارة...

featured

الجبهة والحزب الشيوعي العامود الفقري للقائمة المشتركة

featured

مانديلا، رحيل البطل الخالد