عن السياسة الأوروبية وصراع بلادنا (2)

single

في مقالة سابقة (الاتحاد 20 نيسان 2012) كنت قد ذكرت ان فرانسوا هولاند كتب في برنامجه الانتخابي ما يلي: سأتخذ مبادرات من اجل مفاوضات جديدة لدعم السلام والأمن بين إسرائيل وفلسطين. سأدعم الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية. هذا الموقف كان جديدًا وايجابيا بالمقارنة مع المواقف السابقة للحزب الاشتراكي وطرحت السؤال التالي: ماذا يعني بتلك المفاوضات الجديدة وعلى أي أساس ستكون وضمن أي حدود ستكون الدولة الفلسطينية؟
الحزب الاشتراكي الذي يقوده هولاند صرّح في حزيران 2011 ان "الحزب الاشتراكي يدعو فرنسا وأوروبا إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية من اجل التقدم نحو السلام والمصالحة بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني" ويتابع "أن المجتمع الدولي يجب ان يعقد مؤتمرا للسلام حول الشرق الأوسط لتأكيد الثوابت اللازمة لتوافق السلام الإسرائيلي - الفلسطيني والتزام المجتمع الدولي في موضوع الأمن، الدعم الاقتصادي والمساعدة في المنطقة" (انظر ألان جريش: فلسطين هولاند يتراجع مقارنة بسركوزي. اللوموند الدبلوماسي). وفي هذا السجال لا يوجد أي ذكر للمفاوضات.
بعد وصول هولاند إلى الحكم غيّر الخطاب السياسي وبشكل شبه كامل. وكمثال على ذلك خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة في ايلول عام 2012 يقول: "الوضع الراهن الذي نعرفه الآن ليس إجابة بل هو مأزق والتزم بأن فرنسا ستساهم بكل قواها لإعادة القواعد من اجل مفاوضات تؤدي إلى وجود دولتين، الكل يعرف ان الحل هنا من اجل سلام عادل وثابت في هذه المنطقة".
وبعد ذلك خلال زيارة نتنياهو إلى فرنسا 31.10.2012 يُصرح: "ان فرنسا تريد استعادة المفاوضات بدون شروط بين الإسرائيليين والفلسطينيين بهدف بناء دولتين. المفاوضات وحدها يمكن ان تأتي بحل نهائي للوضع".
الجديد هنا هو انه للمرة الأولى يقول هولاند ان المفاوضات وحدها ستأتي بالحل كشرط أساسي.
ملاحظة: كيف يمكن التفاوض تحت الاحتلال واستمرار الاستيطان. أي حوار بدون إطار وبدون ضمانة والجميع يعرف ان المفاوضات لم تنتج شيئًا.
وهذا الموقف حسب ألان جريش يشكل تراجعا كاملا عن المواقف الأساسية السابقة ونسبيًا يقول ان الرئيس هولاند تراجع مقارنة بسياسة الرئيس السابق نيقولا ساركوزي، كما ان الحل بالمفاوضات بدون شروط هو ما طرحه بالضبط نتنياهو؟!
وينهي ألان جريش ان التراجع لهولاند هو تراجع عن برنامجه الانتخابي، تراجع عن التصريحات السابقة، تراجع عن مواقف الحزب الاشتراكي، وتراجع أيضًا بالنسبة للقانون الدولي.

 


* ماذا حصل وراء الكواليس قبل انتخاب فلسطين كدولة


في اللوموند 30 تشرين الثاني تقول نتالي نوجليريد: صوَّتت فرنسا نعم لفلسطين بعد عدم رضاها عن موقف أمريكا وإدارتها. حاول هولاند وخاصة فريقه بالاشتراك مع بريطانيا بإقناع فريق اوباما بالتصويت معًا وبشكل ايجابي لإيجاد حلول للأزمات التي تهدد الشرق الأوسط وذلك بشراكة وتأكيد تلك الأخيرة، لكن كان هناك خندق يبعد الموقفين.
منذ شهر ايلول بدأت جهود الفريقين الانجليزي والفرنسي لحث الرئيس الأمريكي ليلتزم من جديد بملف الشرق الأوسط وبالتحديد الملف الفلسطيني والإسرائيلي وذلك بتصريح أمريكي – أوروبي بعد الحملة الانتخابية في أمريكا أو تحضير قرار لمجلس الأمن "يحدد الثوابت من اجل حل مبني على حدود 1967. كان جواب اوباما "لن يكون أي شيء". وهو موقف حذر، لماذا؟ اوباما يبدو بموقف انتظاري لتكوين إدارته الجديدة وانتهاء الانتخابات الإسرائيلية في كانون الثاني.
حاول هذا الموقف فريق هولاند هذا الفرق في الموقف يضاف إلى المواقف الأخرى بالنسبة لسورية أو إيران. يبدو ان دبلوماسية هولاند هي لبحث دبلوماسية تقربها أكثر من عهد ميتران في الثمانينيات من القرن الماضي.
 الافتتاحية الصباحية لصحيفة اللوموند أعطت هذا العنوان في الصفحة الأولى يوم 29 تشرين الثاني وهي تمثل رأي الصحيفة، تقول الافتتاحية: كل يوم، المستعمرات الإسرائيلية تأكل أكثر فأكثر الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتقصر من الحيز وتهدد إمكانية العيش لمشروع الدولتين جنبًا إلى جنب. أمريكا، الحليف الأكثر قربًا من إسرائيل ستستخدم مباشرة حقّها في الفيتو، لان الخطوة الفلسطينية تزعج واشنطن وتهدد محمود عباس بالانتقام. رؤساء أمريكا السابقون كم وعدوا من ينتظرون دولتهم في عام 2005 وعام 2011 وكل ذلك ضاع في خسارة.
هذا التصويت لن يجعل المستوطنات تتراجع ولو مترًا واحدًا ولن تمنع راديكالية حماس من تكوين غزّة.
ان مكانة فلسطين كعضو مراقب وخاصة كدولة لن تقنع المجتمع الإسرائيلي بضرورة السلام والتسوية. وفي الختام تقول المقالة ان فرنسا تتشرف بتصويتها، وهذا يسمع بالتأكيد على ضرورة ألا نفقد الأمل من السلام. وهذه رسالة موجهة إلى شعب فلسطين بأنه غير منسي وهذه بادرة رمزية لأن الضرورة تفرضها.

 

* عودة إلى حرب غزّة – الصدى في فرنسا وأوروبا

 


في 18-19 نوفمبر/تشرين الثاني تصدّر في الصفحة الأولى هذا العنوان: إسرائيل أمام تحدي حماس ومعه صورة لغزة وللدمار أمام الدخان الأحمر والأسود صاعدًا نحو السماء.
العنوان الثاني في الصحيفة كان كالتالي: إسرائيل – حماس: المعادلة الجديدة:
بنيامين بارت، كاتب هذه المقالة يؤكد الحقائق التالية: "هجوم إسرائيل  على غزّة، في عام 2008 وعام 2012، كان في إطار حملة انتخابية في إسرائيل وأمريكا. من جهة حماس، الجديد يكمن في اغناء ترسانة الأسلحة والتي يمكن ان تدخل إلى عُقر تل أبيب والقدس: فجر 5 وهي من صنع إيراني".
"هذه الأسلحة الجديدة وهي بعيدة عن بناء "توازن في الرعب" بين المعسكرين. إسرائيل لا زال عندها قوة متفوقة عسكريًا، أما عن فجر 5 فهي قوة كامنة بإمكانها احداث خلل بالتوازن النفسي والسياسي بشكل حقيقي".
"لكن في حال انها تسبب الموت في تل أبيب أو القدس، آلة الانتقام الإسرائيلية سيصعب توقيفها، وحماس ليس لها مصلحة، بدون شك، في ذلك".
موشي سيغال الكاتب والصحافي الإسرائيلي يكتب في صحيفة اللوموند يوم 21.11.2012 والمقالة بعنوان: تل أبيب مستهدفة، لكن يجب مواجهة القصف في غزّة.
بالطبع سأختار بعض المقاطع، والتي اعتقد بأنها مثيرة، من هذه المقالة ومنها: "كنا نحمل يافطات ضد الهجوم على غزّة، وكنا نرفع شعارات ضد "الحرب الانتخابية" لبنيامين نتنياهو وباراك اوباما مثل: في غزّة وسديروت، الاطفال يريدون الحياة"، لكن لم يكن عددنا كبيرًا، نحو مئة شخص".
إن ما تقوله هذه المقالة بالموجز هي نقاط مهمة بالنسبة للرأي العام الفرنسي والأوروبي:
الأولى، ان هناك مظاهرات قامت في تل أبيب (وغيرها أيضًا) ضد الحرب على غزّة. هنا في فرنسا، واعتقد أيضًا، في كل المدن الأوروبية لا احد كان يعرف ان هناك أناسا (ولو أقلية) كانت ضد الحرب في إسرائيل. واعرف من مصادر أخرى انه كان هناك أيضًا مظاهرات في حيفا وغيرها شارك فيها متظاهرون إسرائيليون.
هذه النقطة مهمة جدًّا وربما تكون من أهم النقاط النوعية. هذا ربما، يدل ان كل تغيير ممكن من اجل السلام بين إسرائيل وفلسطين لن يتم إلا عبر هذه القوى المسالمة. والمشكلة ان وسائل الإعلام في أوروبا لم تتحدث عن تظاهرات ضد الحرب في إسرائيل.
النقطة الثانية، وهي تخص الرئيس باراك اوباما والجميع يعرف في الشرق وفي الغرب ان اوباما خذل الجميع. بالطبع كل واحد على حسب موقفه. وكمثال على ذلك:
خذل اوباما إسرائيل لعدم موافقته على الحرب ضد إيران وخذل الفلسطينيين لعدم ضغطه من اجل إيقاف الاستيطان في الضفة الغربية، وعدم دعم الدولة الفلسطينية رغم كل وعوده. إذًا بالنهاية فالاعتماد على النفس هو الضمانة الوحيدة قبل الاعتماد على الآخرين.
النقطة الثالثة، كما يؤكد مراسل صحيفة اللوموند في نيويورك – الأمم المتحدة ان الهجمة الإسرائيلية على غزّة كان، أيضًا، هدفها "نسف ترشيح فلسطين كدولة غير عضو في الأمم المتحدة" (انظر اللوموند 17.11.2012 صفحة 4).
إن الاجتماع الطارئ للأمم المتحدة في مجلس الأمن يوم لم يتخذ أية إجراءات ولم يعطِ أي تصريح! لماذا؟ لعدم وجود إجماع في مجلس الأمن! وسفيرة أمريكا في الأمم المتحدة سوزان رايس دعمت الهجمة العسكرية الإسرائيلية.
إن الحصول على مقعد في الأمم المتحدة لدولة فلسطين غير عضو لا يعطي صوتا في الانتخابات لكن يسمح للفلسطينيين بطلب موجه إلى المؤسسات العالمية والقضاء العالمي (وهذه شرعية جديدة وحق جديد) وهذا ما تخشاه إسرائيل وأمريكا، وهذا ما يؤكده مراسل الصحيفة. (انظر اللوموند 17.11.2012).

 


* "ليس الوقت مناسبًا الآن".. فإلى متى إذًا؟

 


يقول مراسل صحيفة اللوموند في الأمم المتحدة ومجلس الأمن انه سمع عدة دبلوماسيين أوروبيين يقولون "ان الوقت غير مناسب والطلب الفلسطيني هو مخاطرة غير مفيدة". وان عدة بلدان أوروبية، من وراء الكواليس، تحاول الضغط على الرئيس محمود عباس إلى "تأجيل" تقديم الطلب إلى وقت مناسب أكثر، والانتظار حتى يتم وضع إدارة جديدة بعد انتخاب اوباما وبعدها الانتظار إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية في كانون الثاني عام 2013، فإلى متى سيتم الانتظار؟ متى ستكون اللحظة المناسبة؟ ألم ينتظر أهل فلسطين حتى الان الى أكثر من ستين عامًا.. ألا يكفي ذلك!
ويؤكد المراسل ان الرئيس محمود عباس "يُصر على تقديم الطلب لتأكيد  حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني على قاعدة وأسس خطوط ما قبل حرب 1967".
انضمام باريس آلة مسيرة محمود عباس دفع اسبانيا إلى التصويت بـ"نعم" - هذا هو عنوان مقالة اللوموند 29.11.2012 ص 4. تكرس الصحيفة صفحة كاملة إلى قضية فلسطين في الأمم المتحدة وتداعياتها.
كتب هذه المقالة ثلاثة صحافيين: بنيامين بارت، نتالي نوجيرد، وسندرين موريل. ومن أهم ما جاء في هذه المقالة سنذكر ما يلي:
1. أعلنت فرنسا قبولها للتصويت "نعم" لفلسطين كدولة في يوم الثلاثاء 27.11.2012 في الأمم المتحدة. فهل ستقنع بقية كبار العواصم الأوروبية بذلك؟ وتجعلها تنضم تحت لواء فلسطين؟ يوم الأربعاء 28.11.2012 الحكومة الاسبانية أعلنت موقفها الرسمي بقرار التصويت لصالح فلسطين في الأمم المتحدة وحسب قول وزير الخارجية الاسباني مانويل جارسيا – مارجالو: اسبانيا ستصوت "نعم" بترابط منطقي مع تاريخنا ولأننا نعتقد ان ذلك يقربنا من حل السلام.
المبادرة الفرنسية تبدو وكأنها عملت كمؤثر دفع مدريد إلى قفز الخطوة.
أما بالنسبة لبريطانيا فإن حكومة ديفيد كميرون قالت انها ستدعم المبادرة الفلسطينية لكن بعدة شروط:
1. أن يلتزم عباس بالعودة إلى المفاوضات دون شروط.
2. ان يلتزم عباس أيضًا بعدم طلب دولة فلسطينية فيما بعد كدولة عضو كامل في الأمم المتحدة في مجلس الأمن.
3. ان يمتنع عن الانتساب إلى المحكمة الجنائية العالمية CPI ولو كدولة غير عضو مع انه يحق لفلسطين ذلك!!
بدون تعليق.

 


* فلسطين تحصل على موقف دولة كعضو مراقب في الأمم المتحدة: نهاية سياسة الإملاء الأمريكية


هذا العنوان الكبير في صحيفة اللوموند يوم 1.12.2012.
وتحت هذا العنوان عنوان آخر بخط اصغر يقول: 138 دولة صوَّتت من اجل ان تكون الأراضي المحتلة دولة. وكرَّست المجلة صفحتين لذلك.. وهذا نادر، لهذا الحدث التاريخي.. وهذا أهم ما ذُكر.
تسع دول صوتت ضد القرار منهم الولايات المتحدة وإسرائيل، و41 دولة امتنعت عن التصويت منها ألمانيا وكندا، التشيك، جزر مارشال، ميكرونزيا، جمهورية مورو وبالو والبناما.
"هذه ضربة قاسية للإدارة الأمريكية التي مارست مع جماعات ضغوطًا كثيرة" حسب قول بعض المصادر الدبلوماسية في الأمم المتحدة.
وفي مقالة أخرى بقلم بنيامين بارت تؤكد انه "رغم كل الضغوطات الأمريكية والإسرائيلية وبعض العواصم الأوروبية بقي موقف الرئيس محمود عباس ثابتًا".
أبرز ما كتب هو أن "هذا التصويت هو نهاية لسياسة الإملاء المفروضة من قِبَل واشنطن وحليفتها إسرائيل. خيار الفلسطينيين بالتحرك خارج الفلك الأمريكي الإسرائيلي كان له شعبية ويفتح الباب أمام امكانيات أخرى من اجل السلام". كما تؤكد الكساندرة جينيست كاتبة المقالة.

 


(يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

نتنياهو يلحس البوظة وليفني تطالب بالدبس..!

featured

ونَعْتَصِمُ بِحَبْلِهَا

featured

دفاعا عن "غيزي" وأكثر ...

featured

زينب تناديك يا محمد

featured

فليخيّطوا بغير هذه المسلة!

featured

حفاظًا على لغتنا العربية

featured

هل هذا الموت حقّ ؟