*قبل ان نتطرق الى المدلول السياسي لاقتراح عقد مؤتمر دولي حسب المقاس الامريكي، فانه من الاهمية بمكان الاشارة الى ان اختيار الموعد للاعلان عن النية والخطة الامريكية والرؤية الامريكية لعقد مؤتمر دولي لم يكن وليد صدفة وحتمه ما طرأ من المستجدات*
طالعتنا صحيفة "يديعوت احرونوت" يوم الاربعاء الماضي العاشر من حزيران الحالي بعنوان صارخ وبالبنط العريض على صدر الصفحة الغلافية الاولى جاء فيه "ان الخطة التي يبلورها اوباما – دولة فلسطينية في 2012، الولايات المتحدة تقترح مؤتمرا دوليا"! لم يكن هذا الخبر مثيرا او مفاجئا لنا، خاصة وان ما سبق هذا الخبر من محادثات اجراها الرئيس الامريكي باراك اوباما في الشهر المنصرم مع الرؤساء والمسؤولين، مع ملك الاردن ورئيس حكومة اسرائيل ومسؤولين مصريين وسعوديين، وتوجه اوباما الى السعودية وخطاب "المصالحة" الذي القاه في القاهرة، ومحادثات مبعوثي الرئيس والادارة الامريكية المكثفة مع اطراف الصراع، جميع هذه الاحداث كانت تشير مؤشراتها الى طابع ومدلول استراتيجية ادارة اوباما في الشرق الاوسط وعلى ساحة الصراع الاسرائيلي – العربي، وان الهدف المركزي لهذه الاستراتيجية هو بلورة "سلام امريكي اقليمي" من خلال دفع عجلة التطبيع والتحالف بين اسرائيل والانظمة العربية والاسلامية "المعتدلة"، ومن خلال استغلال دفع عجلة تفاوض اسرائيلي – فلسطيني لتسوية حل دائم ينتقص من الثوابت الاساسية للحقوق الوطنية الشرعية الفلسطينية، استغلال هذا التفاوض لترسيخ وتوثيق وتسريع خطى التطبيع الاسرائيلي – العربي – الاسلامي قبل بلورة الحل الدائم للقضية الفلسطينية.
قبل ان نتطرق الى المدلول السياسي لاقتراح عقد مؤتمر دولي حسب المقاس الامريكي، فانه من الاهمية بمكان الاشارة الى ان اختيار الموعد للاعلان عن النية والخطة الامريكية والرؤية الامريكية لعقد مؤتمر دولي لم يكن وليد صدفة وحتمه ما طرأ من المستجدات، التي يمكن التركيز على اثنين منها:
المستجد الاول: نجاح حلفاء امريكا من قوى الرابع عشر من آذار، قوى الموالاة، في نيل الاغلبية من النواب في البرلمان اللبناني، كما اسفرت نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة. وهذا الحدث الذي يعني قيام نظام في لبنان مدجن امريكيا يخدم الاستراتيجية الامريكية بتسويق واقامة سلام امريكي اقليمي في الشرق الاوسط. ولهذا لم يكن من وليد الصدفة التدخل الامريكي السافر الى جانب قوى 14 آذار في الانتخابات البرلمانية والاسراع الامريكي في تهنئة نجاح هذه القوى مسنودا بتصريح وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ان امريكا ستدافع عن امن لبنان، والاعلان عن مساعدة لبنان اقتصاديا وعسكريا. وحقيقة هي انه منذ الحرب العدوانية الاسرائيلية – الامريكية على لبنان والمقاومة اللبنانية في الالفين وستة قدمت الادارة الامريكية الى لبنان "مساعدة" بمقدار اكثر من مليار وثلاثمئة مليون دولار منها اربع مئة مليون دولار "مساعدة عسكرية". كما انه ليس من وليد الصدفة ان المبعوث الرئاسي للادارة الامريكية لتسوية الصراع الاسرائيلي – الفلسطيني – العربي جورج ميتشل الذي تجاهل في جولاته السابقة الى المنطقة سوريا ولبنان، فانه في جولته الحالية سيزور دمشق وبيروت لاجراء محادثات مع المسؤولين فيهما بهدف ضم واشراك سوريا ولبنان في الخطة الاستراتيجية لاقامة سلام اقليمي امريكي!!
والمستجد الثاني: افتعال رئيس الحكومة وبعض الاوساط المقربة منه ومن ديوان رئيس الدولة شمعون بيرس وهيئة اركان وزير الحرب ايهود براك لخبر مثير اشبه بلغز يوحي باحتمال ان يتراجع نتنياهو عن الموقف الرفضي اليميني المتطرف الذي يسيء للعلاقات مع امريكا. وان نتنياهو سيفصح عن ما بلوره من "خطة للسلام" في خطاب سيلقيه يوم الاحد القادم في الرابع عشر من شهر حزيران الجاري في جامعة "بار ايلان" بتل ابيب، متشبها باوباما الذي القى خطاب المصالحة في جامعة القاهرة.
وحقيقة هي ان الخلاف بين حكومة نتنياهو اليمينية وادارة اوباما الامرميكية يتمحور حول رفض حكومة نتنياهو لخطة الحل الامريكية – تسوية على اساس الدولتين وتجميد جميع اشكال الاستيطان الاسرائيلي في المناطق المحتلة كوسيلة تخلق مناخا ملائما لجذب الانظمة العربية والاسلامية "المعتدلة" الى تحالف مع اسرائيل وبقيادة واشنطن لمواجهة وكبح جماح النفوذ الايراني في المنطقة ولحماية المصالح الاستراتيجية الامريكية السياسية والاقتصادية في المنطقة. ومنذ محادثات نتنياهو في واشنطن، وخاصة بعد خطاب اوباما في القاهرة تكثف الادارة الامريكية من تحركها السياسي واجراء المباحثات والمشاورات عبر مختلف القنوات والدهاليز مع المسؤولين الاسرائيليين والمسؤولين في الانظمة العربية "المعتدلة" والسلطة الفلسطينية، بهدف دفع عجلة المشروع الامريكي للتسوية – والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه عشية القاء نتنياهو لخطابه "المثير" يوم الاحد، على اية انغام سيرقص بنيامين نتنياهو، هل سيواصل "الرقص حنجلة" على انغام طبول اوركسترا فرقة ارض اسرائيل الكبرى من غلاة اليمين المتطرف الذين يؤلفون عصب حكومته ويرفضون الانسحاب من أي شبر محتل واي اعتراف باي كيان فلسطيني مستقل، ام ان نتنياهو نطح رأسه عمود الواقع ويقر بانه لا مفر من تعديل رقصته مع نغمات موسيقى الناي الامريكية. فمن جهة، حقيقة هي ان نتنياهو نفسه يميني متطرف، وائتلاف يمثل مختلف قوى الاستيطان والفاشية العنصرية والترانسفيرية والاصولية الدينية اليهودية اليمينية المتشددة والمتطرفة، التي من الصعب ان توافق على تسوية سياسية حتى لو كانت منقوصة الحقوق للشعب الفلسطيني، وهؤلاء يؤلفون وسيلة ضغط على نتنياهو للتمترس بالموقف الرفضي حتى لو ادى ذلك الى تعميق الخلاف مع الحليف الامريكي. لقد وصل الامر بالوزير الليكودي، يوسي بيلد (وزير بلا وزارة) – حسب ما نشرته "يديعوت احرونوت" في الثامن من شهر حزيران الجاري، المطالبة بمعاقبة الولايات المتحدة الامريكية على مواقف ادارة اوباما من اسرائيل!! ففي رسالة وزعها على وزراء حكومة الكوارث اليمينية يطالب ان تنتقل اسرائيل الى مرحلة المبادرة من اتخاذ الاجراءات فهو يقترح التوقف عن شراء الالات والسلع والبضائع ومختلف المنتجات العسكرية والمدنية الامريكية، وتنويع مصادر اخرى، مع روسيا والصين واوروبا والهند وبيع اجهزة تقنية لمنافسي امريكا. وفي الثامن والعشرين من شهر ايار الماضي اصدر "الربانيم" في المناطق المحتلة سوية مع "الاتحاد القومي" الاستيطاني بيانا يدعو الى العصيان المدني وعدم تنفيذ اوامر اخلاء اية مستوطنة او بؤرة استيطانية هامشية.
ومن الجهة الثانية، فان بعض القوى، خاصة ديوان الرئيس شمعون بيرس والوزير براك وبعض اوساط من اللوبي اليهودي الصهيوني في الولايات المتحدة الامريكية مارسوا ويمارسون الضغط على نتنياهو لتقويم الموقف مع السياسة الاستراتيجية للرئيس اوباما التي تخدم في نهاية المطاف المصلحة الاسرائيلية ومصلحة التحالف الاستراتيجي الامريكي – الاسرائيلي، ان يجد صياغة توحي بقبول حل الدولتين والالتزام بخطة خارطة الطريق بما في ذلك تجميد الاستيطان..
اننا لا ننتظر من نتنياهو ان يتبنى في خطابه المرتقب اجندة الحل العادل للقضية الفلسطينية وللانسحاب من هضبة الجولان السورية، ولكنه سيعمل على صياغة موقف يفهم منه انه ينسجم مع الرؤية الامريكية لادارة اوباما باهمية العمل لانجاز "سلام اقليمي" وتحالف تطبيعي اقليمي اسرائيلي – عربي – اسلامي والالتزام بخطة الطريق التي تؤدي الى قيام كيان فلسطيني مشروط باملاءات اسرائيلية مثل ان يكون مفروزا من الاسلحة والقدس الموحدة، عاصمة اسرائيل ولا لحق العودة وضم كتل الاستيطان الكبيرة لاسرائيل.
ولا نستبعد حقيقة انه تمارس ضغوط على كاديما وتسيبي ليفني الانضمام الى حكومة نتنياهو لمواجهة عدم سقوط حكومة نتنياهو في حالة خروج بعض القوى امثال اسرائيل بيتنا وشاس منها.
* المؤتمر الدولي:
قبل ايام قليلة اتصل الرئيس اوباما هاتفيا برئيس الحكومة نتنياهو مؤكدا له انه مهتم بخطابه المرتقب، ولم تكن هذه مهاتفة مجاملة، بل يظهر انها تعكس مدلولا سياسيا ينتظر اوباما ان يتضمنه خطاب نتنياهو حول الموقف من نقاط الخلاف مع الامريكيين. ففي حالة موافقة نتنياهو على حل الدولتين وتجميد الاستيطان يبدأ الاعداد الجدي باتجاه عقد مؤتمر دولي. فحسب الرؤية الامريكية التي نقلت الى المسؤولين في اسرائيل والاردن ومصر والسعودية والسلطة الوطنية الفلسطينية انه بعد موافقة حكومة نتنياهو على حل الدولتين وتجميد الاستيطان، تستأنف المفاوضات الاسرائيلية – الفلسطينية ويجري الاعداد لعقد مؤتمر دولي بعد ستة اشهر بمشاركة الانظمة العربية "المعتدلة" واسرائيل والممثلين الفلسطينيين والولايات المتحدة. وفي هذا المؤتمر يجري الاتفاق والاقرار بتطبيع العلاقات الاسرائيلية – العربية، الاتفاق على حزمة من اجراءات "حسن النية" التطبيعية مثل فتح مكاتب مصالح اسرائيلية في البلدان العربية، فتح الاجواء العربية لحركة الطيران الاسرائيلي، استثمارات اسرائيلية واجنبية في البلدان العربية وتشجيع السياحة، كما يجري حتى نهاية الفين وعشرة التفاوض حول القضايا الجوهرية للصراع، مثل الحدود والقدس والاستيطان وغيرها يؤدي الى اعتراف اسرائيل بدولة فلسطينية في حدود مؤقتة. وانه حتى سنة الفين واثنتي عشرة يعلن رسميا عن اقامة دولة فلسطينية مستقلة بجانب اسرائيل. بالنسبة لحدود هذه الدولة فالصراع سيكون في مواجهة الموقف الاسرائيلي بضم كتل الاستيطان وجعل جدار العزل العنصري الحدود السياسية الاقليمية بين اسرائيل والكيان الفلسطيني الذي سيقوم، او مبادلة هذه المناطق باراض في النقب الاسرائيلي. اما بالنسبة للقدس الشرقية المحتلة فان الاتجاه وفقا للمؤتمر الدولي المقترح ان تكون الاماكن المقدسة تحت الحماية الدولية ومفتوحة لحرية الحركة والعبادة للجميع، وان تكون القدس عاصمة للدولتين، الاحياء العربية التي لم تهود ولم تستوطن بقطعان المستوطنين تكون عاصمة الكيان الفلسطيني المرتقب. اما حق العودة للاجئين الفلسطينيين فالاتجاه هو العمل لحرمان الشعب العربي الفلسطيني من حق العودة الشرعي وتوطين اللاجئين في البلدان العربية وداخل حدود الكيان الفلسطيني المرتقب. وان يكون الكيان المرتقب منطقة مفروزة من السلاح.
برأينا ان الشعب الفلسطيني التواق الى الحرية والامن والاستقرار والتخلص من مآسي ونكبات معاناة عشرات من السنين دفع خلالها على درب كفاحه التحرري العادل قوافل من الشهداء ومن مرارة المعيشة والحرمان، هذا الشعب لا يمكن ان يرضخ ويقبل بحل استسلامي منقوص يصادر العديد من ثوابت حقوقه الوطنية الشرعية، لا يمكن ان يوافق انه بعد صيام قسري محروما من السيادة والحرية ان يفطر على بصلة مخمجة. فاي مؤتمر دولي واي خطة للعمل لا ينصف الشعب العربي الفلسطيني حقه الوطني الشرعي بالدولة في حدود الرابع من حزيران السبعة والستين وعاصمتها القدس الشرقية وضمان حق العودة حسب قرارات الشرعية الدولية فلن يكون مصيره او مصيرها سوى الفشل الذريع.
