لرفيقنا وعزيزنا موسى ناصيف: خرجتم من هذه الطّينة الحمراء أشدّاء وأقوياء

single


أبارك لرفيقنا وعزيزنا موسى ناصيف، أبو سامي، بعيد ميلاده التِّسعين، وبإصدار كتابه "مقالات ثائر عربيٍّ أمميٍّ"، وهو عبارة عن سلسلة مقالات كانت قد نشرت في صحيفة الاتحاد، ليضع بين أيدينا مرجعًا مهمًّا وموقفًا ثابتًا، طبقيًّا أمميًّا، لما يدور حولنا في هذا العالم.
أجدُ نفسي واقفًا أمامك يا رفيقي موسى، محتفيًا بميلادك وباصدارك..
أنظر الى عينيك فأرى فيهما صورة جدِّي سمعان، أبي داود، الذي لم تحظَ عيناي برؤيته حيًّا، ولم أنعم بحضنه الدَّافئ، حيث ترك اهل بيته على الارض، في حيفا، وغادرهم عام الف وتسعمائة وستة واربعين، في خميس الأسرار من اسبوع الآلام، الى أحضان الرفيق الاعلى..
لكنَّه يمتثل أمامي، دومًا، في صورته المعلَّقة بغرفة الاستقبال، في بيتنا في حيِّ وادي النِّسناس، يقف امامي بكوفيَّته البيضاء وعقاله الأسود المائل، "المُعنقِر"، اعتزازًا وافتخارًا، مفتول الشَّاربين، منتصِبَين إباءً وشموخًا ونخوةً..
لقد كان جدِّي صديق والدك منذ أن عملا سويَّة في بلديَّة حيفا، في أواخر عشرينات وأوائل ثلاثينات القرن المنصرم، وأرى فيك، أيضًا، صورة صديقك المناضل داود تركي، وأعرف كيف كانت تلازمكما المواقف الصَّعبة وشظف العيش والمحن الشَّديدة التي لم تثقل كاهلكما قط، فقد كنتما تخرجان منها اشدَّاء متفائلَين متزوِّدَين برباطة جأش وإصرار، لا يعرف اليأس طريقه اليكما فظلَّ ضالًا وضلَّ طريقَه إليكما بين السَّراب، كنتما دومًا طوع راحتي الوطن والارض والانسان، واسمح لي في حضرتك، يا رفيقي، إن ذَرفَت عينايَ "دمعتين ووردة" دمعتين على الرَّاحل، الذي لم تتركه ابدًا في حالكِ أيَّامه، في غربته على تراب وطنه، وأخرى لروح والده، أبي داود، جدِّي، ووردةً حمراءَ قانيةً من بساتين غرناطة، أندلسنا، أضعها على صدرك التَّقيِّ وفي فكرك النَّقيِّ وفي فؤادك العفيِّ، متمنِّيًا لك، يا نصف البرتقالة الحيْفيَّة، ويا نصف النَّارنج الشَّاميَّة، من صميم قلبي أن تبقى قامتك شامخة كقامة السِّنديان وأن يبقى جبينك مرفوعًا  كجبهة العنفوان..
فأنت يا رفيقي أبو سامي: تحدِّثُ بأمانةٍ وصدقٍ، وتفي بوعدِك وتُخلِص له، تؤتمن على كلِّ ما يُعهَد به اليك، وتعاهد بإيمان ثابت ولا تغدُر، وفي الخصام لا تفجُر..
نستعيد، مع صدور الكتاب، في ايَّامنا هذه ذكرى سقوط حيفا، ونكبة فلسطين قبل سبعة وستِّين عامًا، عام الف وتسعمائة وثمانية واربعين، وثمانية وأربعين عامًا على نكسة فلسطين، عام الف وتسعمائة وسبعة وستِّين، وما زال أمل شعبنا اللاجئ، قسرًا، في مخيَّماته بالعودة إلى دياره حيًّا، وما زال حلم شعبنا بتقرير مصيره على ترابه الوطنيِّ، في تلك الفُسحة من الأمل، باقيًا في الأفئدة وفي فكر كلِّ فلسطينيٍّ، من الشِّيب والشَّباب، من الصَّغير إلى الكبير، الى المقمَّط في السَّرير!
فإلى متى سيبقى هذا الحلم حلمًا وهذه الامنية امنيةً تنتقل من جيل الى جيل! فقد ازدادت علينا الشَّدائد، إلى متى!
يا ربِّي بارِكْ لنا في شامِنا وفي يمنِنا وفي عراقِنا فهم أملنا في العودة وتقرير المصير، لأنَّ أعداءهم هم أعداء فلسطين..
"أَيْنَمَا وُجِدَ الظُّلْمُ فَذَاكَ وَطَنِي"..
هذه مقولة لمناضل الحرِّيَّة أرنستو تشي جيفارا، حيث كانت تُزيِّن صورته سيّارة أبي سامي، يقول رفيقنا موسى: إِنّ الكون مقسَّمٌ إلى طبقات وإِنَّ كلَّ مشاكل عالمنا وصراعاته مبنيّة على أساس طبقيّ محض، وإن أخذتْ بعض الأحيان صبغةً طائفيَّة أو قوميَّة، والوعي الطَّبقي بكلّ أشكاله النّضاليّة والكفاحيّة هو هو الكفيل الوحيد بتحرير الشّعوب من نير الاحتلال ومن الاستغلال الطَّبقي، وهذا لا يمنع الفرد من الاعتزاز بانتمائه القوميّ، فإن لم تكن أمميًّا لن تكون أبدًا قوميًّا صادقًا، وفي هذا السّياق يحقّ للشّيوعي العربيِّ في وطننا، الاعتزاز بانتمائه العربيّ ويحقّ له أن يؤمِن بالوحدة العربيّة الشَّاملة القائمة على أسس العدالة الاجتماعيّة والديمقراطيَّة والمساواة، فقد قال رفيقنا أبو سامي "ستبقى الشّام منبتًا ومقرًّا للوطنيّة العربيّة ومنارة للثّوّار والأحرار في وطننا العربيّ الكبير على مرّ العصور". وحين سأله المحقِّق حين اعتُقل في أوائل سنوات السَّبعين من القرن المنصرم، بتهمة ملفّقة على أنّها "أمنيّة" مع المناضل داود تركي ورفاقه، أنّه رآه في دمشق أجابه رفيقنا أبو سامي:"كنتُ في الشّام عندما كنتَ أنت في رحم (استعمل كلمة أخرى من حرفين) أمّك، فبلاد الشّام كانت وما زالت وطني وعين إبل مسقط رأسي، وأنا أنتمي حضاريًّا وتاريخيًّا وجغرافيًّا وقلبًا وقالَبًا إلى بلاد الشّام". وتنشدنا فيروز:
شَامُ يَا ذَا السَّيْفُ لَمْ يَغِبِ، يَا كَلامَ المَجْدِ فِي الكُتُبِ، قَبْلَكِ التَّارِيخُ فِي ظلمةٍ بَعْدَكِ اسْتَوْلَى عَلَى الشُّهُبِ..
رأيتُ من مقالات الرفيق موسى ناصيف، أنَّه اكتسب من خلال حياته اليوميَّة، وعضويَّته في الحزب الشُّيوعيِّ، أنَّ طريق نصر شعبنا وتحرّره من الاحتلال هو في طريق النِّضال المثابر والعمل الدَّؤوب من أجل العدالة الاجتماعيّة وأخوّة الشّعوب، النضال المشترك العربي اليهودي، ونبذ التزمّت الدِّينيِّ والتَّعصُّب القوميِّ، لأنّهما يضرَّان بمسيرتنا الكفاحيّة بضربة قاضية وتحيِّدان هذا النِّضال عن هدفه المنشود إلى طريق الهلاك والفشل وجلد الذَّات والانتحار، فالعالم يقوم حسب التّوزيع الطّبقي والانتماء الطَّبقي وليس على الانتماء الدّيني أو القومي.
فمن أيّة طينة جُبِلتَ يا رفيقي، كما باقي رفاقك، ومن أيّ ماء شربتم، ومن أيّ نبع نهلتم، حتّى خرجت هذه الخلطة المقدّسة من الطّين الخصب والماء العذب في اليوم السّادس دون أن تعرفوا ما معنى راحة اليوم السّابع، يومَ يرتاح باقي البشر، من خلق الله، فقد واصلتم عملكم على مدار أيّام الأسبوع السَّبعة، ما بين السُّهُبِ والشُّهُبِ لتبنوا لنا، للأجيال القادمة من بعدكم، بنيانًا متراصًّا ومُشيَّدًا وعميقًا في باطن الأرض تمتدّ جذوره إلى نواتها..
لقد خرجتم من هذه الطّينة الحمراء أناسا أشدّاء وأقوياء وأشاوس، لا تعرفون أيّ نوع للكسل أو الكلل أو الملل، فقد نُفِحت فيكم روح العمل والمثابرة والكدّ والجدّ والتّضحية والفداء، فخرجتم إلى الميدان ونمَوتم وتكاثرتم وملأتم الأرض بالرِّفاق، وأخضعتم الطّاغوت دون خوف أو وجل وعملتم بتحدٍّ بطوليّ ونشاط دؤوب دون أن ترتاحوا يوم راحتكم في اليوم السّابع، بل رحتم تتابعون مسيرتكم منشدين نشيكم الصّاخب نشيد الأمميّة:
هُبُّوا نَمْحُو كُلَّ مَا مَرَّ هُبُّوا حَطِّمُوا القُيُود
وَابْنُوا الكَوْنَ جَدِيدًا حُرًّا وَكُونُوا أَنْتُمُ الوُجُود
سبعةٌ وستّون عامًا مرّت على عضويّته في الحزب الشّيوعي وما زال عضوًا نشيطًا فيه، سبعةٌ وستّون عامًا من الكفاح والنّضال والمثابرة من أجل رفاهية شعبه وحقّه في التّحرّر وحق الطّبقة العاملة في البلاد في العيش الحرّ الكريم والعزيز، وما زال على هذا الدّرب، سبعةٌ وستّون عامًا غائبٌ عن وطنه لبنان وسبعةٌ ستّون عامًا حاضرٌ في وطنه فلسطين، فهاتان العينان هما عينان لوجه واحد، بلاد الشّام، وهما جناحان لصقر واحد، هو صقر الشّام.
سبعةٌ وستّون عامًا متضامنٌ مع الشّعوب المُتعبة من نير الاحتلال والمسحوقة من الاستغلال الطّبقي، سبعةٌ وستّون عامًا وقلبه مع كوبا وفيتنام وفنزويلا والصِّين وأمريكا اللاتينيّة..
سبعةٌ وستّون عامًا ثائرٌ في بلادنا مع رفاقه في الحزب الشّيوعي لنصرة الطَّبقة العاملة وشعبه الرّازح تحت الاحتلال، سبعةٌ وستّون عامًا تكمِّلُ طفولة ثوريَّة متمرِّدة على كلّ ظواهر الظّلم الجائر والعنف القاهر منذ ولادته في عين إبل، تسعة عقود من التّفاني والعمل الدّؤوب والمثابر الذي يبعث الأمل فيك ويشدّ من عزمك ويشدّ وزرك وظهرك..
يقول موسى ناصيف: انسان بلا عمل هو إنسان بدون قيمة..
اردْتُ تعريفكم على الكاتب الثائر العربيِّ الأمميِّ، فعن كتابه قد كتب العديد، قبلي..



(حيفا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

وراء كلّ ناهب منهوب

featured

احداث (امبابة) والكارثة التي تهدد المجتمع المصري

featured

في وداع الرفيق موسى حوري (أبو الشربت)

featured

"الأمن" كبغل يُمتطى للمصالح!

featured

ما بين الورد والملوخيّة

featured

"حل الدولتين مات": عاش الاستيطان!

featured

"دِمَشْقُ، صَبْرًا عَلَى البَلْوَى"

featured

حقُّنا بالأمن والأمان