(3-1)
* *
ومن ظرف قاس إلى ظرف أقسى تعيش شفاعمرو أيام النكبة بكل مرارتها وأساها، ويعيش أهلها حالات من القلق والخوف من المجهول وخصوصا بعد أن فرغت ممن يحميها وتُركوا وحدهم... ويدخل جيش شكيب وهاب البلدة كما أسلفنا سابقا فتعود الطمأنينة بعض الشيء إلى قلوب ونفوس ساكنيها وتهدئ من روعهم وقد عسْكرت هذه القوة داخل البلدة دون أن يعلم الناس ما الذي ينتظرهم...
وفي يوم من أيام الربيع الأولى وبالذات في 12 نيسان من عام 1948 وفي ساعات الصباح الباكر وقبل شروق الشمس، تتحرك قوات قائدنا شكيب وهاب لتهاجم المستعمرة اليهودية المجاورة "رمات يوحنان"... ساروا قبل طلوع الفجر دون أن يدري بهم الأهالي النائمون في بيوتهم استعدادا لاستقبال يوم جديد... لقد كان هجوم شكيب وهاب بالحقيقة مفاجئا ومباغتا بكل معنى الكلمة حتى لمن هاجمهم كما أثبتت ذلك الوقائع التاريخية لتلك الأيام...
عن هذا الهجوم المباغت الذي كان له تأثيره على الأوضاع في هذه الرقعة التي نعيش فيها يقول والدي: "لم يخبر شكيب وهاب أحدا من أهالي البلدة، وحتى أخلص خلصائه، عن نيته للقيام بهذا الهجوم وأبقاه طي الكتمان، وقد علمنا فيما بعد أنه قام به بناء على أوامر تلقاها من القيادة العربية العليا (قيادة جيش الإنقاذ) الموجودة في دمشق، وذلك من أجل تخفيف الضغط عن جيش الإنقاذ بقيادة فوزي القاوقجي المحاصر في معركته ضد مستعمرة "مشمار هعيمك"، وكان قد شنّ هجوما عليها بتاريخ 4 نيسان إلاّ أن قوات الهاجانا قد التفت عليه وحاصرته وقطعت عنه طرق إمداداته ومواصلاته... فكان الهدف من فتح جبهة "رمات يوحنان" هو قطع طريق مجيدو - حيفا عن القوات اليهودية كي تمنع وصول الإمدادات إلى "مشمار هعيمق" وبالتالي يخف الضغط عن قوات القاوقجي"...
بالحقيقة كان هجوما مباغتا ومفاجئا أصاب سكان المستعمرة بالذعر والذهول ولم تكن تملك من القوات ما يكفي لتصد عنها هذه الهجمة الكاسحة اللهم سوى بضعة أفراد من جنود الهاغانا المرابطين فيها واستماتوا في الدفاع عن مستعمرتهم وقد سقط العديد منهم صرعى (12 قتيلا بحسب بعض المصادر) وقد علمنا فيما بعد أن زوهر ديان (زوريك) الأخ الأصغر لموشيه ديان (ووالد الجنرال عوزي ديان الحالي) قد قتل في تلك المعركة كما أفصحت عن ذلك وثائق الهاغانا فيما نشرته عن سير معارك 1948 فيما بعد مما أعطى المعركة أهمية كبرى... وفي اليوم الأول استطاعت قوات شكيب وهاب التوغل في حرش الصنوبر المحاذي "لرمات يوحنان" وقد تقدمت طلائعه حتى وصلت إلى مشارف المستعمرة وابتدأت تهدد المستعمرات المجاورة لها "كفار مكابي" و"أوشا" وهناك من يقول ان الجنود اليهود انسحبوا إلى مستعمرة "كفار آتا" تحت ضغط الهجوم "الدرزي" (حسبما أسمته المصادر العبرية) ولربما طيّر شكيب وهاب البرقيات معلنا على رؤوس الأشهاد انتصاره الساحق هذا وباتت القوات الظافرة ليلتها مهددة ما حولها من مستعمرات يهودية أخرى أخذت تحسب الحساب وتعد العدة لدرء هذا الخطر الداهم عنها الذي كان من الصعب جدا حسب تقدير الخبراء العسكريين إيقافه في مكانه أو حتى منع زحفه السريع إلى طريق حيفا - الياجور ومنها إلى مجيدو... مما اضطرهم، بحسب بعض المصادر، إلى ترحيل أطفال الكيبوتس (رمات يوحنان) إلى مستعمرة "كريات بياليك" الآمنة نسبيا وهناك من يقول ان سكان "كفرتا" (كريات آتا اليوم) اليهود قد حزموا أمتعتهم لإخلائها والهرب منها...
وتقول المصادر العبرية: "وفي الغد بتاريخ 13/4/1948 بدأ الهجوم "الدرزي" العنيف لاحتلال رمات يوحنان، كانت المعركة شديدة الوطأة وقد وصل المقاتلون "الدروز" إلى مشارف الكيبوتس وابتدأوا بمناوشة العمال في الحقول وأمطروا "رمات يوحنان" بالرصاص وقد جرت معارك وجها لوجه وكان عدد الجرحى والقتلى في صفوف قواتنا (اليهودية) يزداد بين لحظة وأخرى، والأنكى من ذلك أن الذخيرة بدأت بالنفاد وقد طلبت منهم القيادة أن يصمدوا في مواقعهم حتى ولو نفد منهم الرصاص وقد حذرتّهم بأنهم قد يبادون جميعا إن هم تراجعوا وانسحبوا ولذلك يتوجب عليهم أن يحاربوا بالسكاكين"...
وبتاريخ 14-15 نيسان حاولت القوات اليهودية أن تحتل قريتي "هوشة والكساير" اللتين تمركزت فيهما القوات "الدرزية" منذ بداية المعركة ولكنهم فشلوا وهناك من يقول أنهم انسحبوا وتقهقروا حتى كريات آتا"...
ولكن في ليل 15-16 نجحت كتيبتان يهوديتان في احتلال هاتين القريتين اللتين وجدوهما خاليتين من سكانها بعد أن انسحبت القوات العربية منها (ولا أحد يدري لماذا انسحبت) تاركة وراءها حامية صغيرة من "الدروز" ولكن قوات شكيب بك قاموا في الغد بهجوم مضاد لاستعادة القريتين ولكن نظرا للضغط الشديد الذي مارسه المحاربون العرب اضطرت القوات اليهودية الانسحاب في المساء ولكنهم فوجئوا في الصباح الباكر عندما تبين لهم أن "الدروز" أوقفوا المعركة من جراء الخسائر الفادحة التي منوا بها (على حد قولهم) وانسحبوا منها كلية وعادت القوات اليهودية واحتلتها من جديد وقد قاموا بهدم بيوت القريتين القليلة العدد فيما بعد ولا تزال بعض آثارها باقية حتى اليوم...
وتأكيدا لما جرى وصفه أعلاه يقول والدي وهو يروي لنا عن أحداث تلك الفترة بتفصيل وإسهاب:
"لقد عاد إلينا في عصر ذلك اليوم كمال بن شكيب وهاب وأحد أركان حربه وقد كان ينزل في بيتنا وقد ترك أباه في ساحة المعركة والذي ربما حضر إلى البلدة ليقدم لنا تقريرا عما جرى معلنا بأن الهجوم قد حقق أهدافه وأن المستعمرة قد سقطت بين أيديهم... كان متحمسا في حديثه منفعلا وربما كان لا يزال متأثرا من المعركة ومما قاله: "لقد سحقناهم سحقا"!!... وداس برجله على الأرض بشدة ولكنه لم يضف على هذا الحديث أكثر مما قال ولم يفصح عن الأهداف التي حدت بهم للقيام بهذا الهجوم... ولجأ كل إلى بيته في انتظار ما يأتي به "الغد"... ولم يطل انتظارهم ففي عصر اليوم التالي خرج الناس من بيوتهم على صوت الأهازيج وإطلاق الرصاص في الهواء وإذا بالقوات "الغازية" "عائدة" وكأنها "أتمت مهمتها"!!... وخرج والدي مع من خرج ليستقبل العائدين أولا وليسأل عن سر عودتهم ثانيا وأحنى رأسه إجلالا عندما سمع أن السبب لذلك هو رغبتهم في أداء واجب التحية لشهدائهم الأبرار الذين سقطوا في ساحة الوغى ومرافقتهم إلى "التربة" لتوديعهم الوداع الأخير وان كان قد استغرب مثل هذا التصرف من جنود "نظاميين" يتركون ساحة المعركة لقمة سائغة لعدوهم كما يترك الأطفال مخابئهم في لعبة "الغميضة"... لقد أخبره شكيب وهاب بنفسه أن جنوده شعروا بهذا الواجب نحو إخوانهم الذين استشهدوا ولا بد من تأدية هذا الواجب المقدس تجاه أبطال بذلوا دماءهم الزكية وأرواحهم الغالية لكي يحموا بها هؤلاء الموجودين اليوم على قيد الحياة... واحتار والدي من هذا الجواب ولكن كيف يمكن فهم ذلك على ضوء العقل والمنطق وماذا يمكن الرد على ذلك وإكرام الشهداء من أقدس الواجبات ولكنه لا يتم وسط المعركة ولم يحر والدي جوابا!!...
وعندما اجتمع والدي مع القائد شكيب وهّاب وبعض ضباطه أبدى له عن تخوفه من الخطر الذي سوف تتعرض له قريتا "هوشه والكساير" اثر انسحاب جيشه من المعركة وهي قرى صغيرة لا تستطيع حماية نفسها ولن يدعهم اليهود ينامون ليلتهم فيها بينما أبدى بعض الحاضرين عن رأيهم بأن اليهود لن يهاجموهم وهي قرى صغيرة مسالمة وتربطها بالمستعمرات اليهودية علاقات حسن جوار... وصحت توقعات والدي إذ قامت القوات اليهودية في تلك الليلة بغزو تلك القرى واحتلالها وطرد ما تبقى من سكانها...
وتقول المصادرالعبرية: "كان لا بد من وضع حد لهذه الهجمات على (رمات يوحنان)، فخرجت كتيبتان من فرقة "كرميلي" في هجوم على قريتين تشرفان على "رمات يوحنان" وهما "هوشة" و"الكساير" وقد احتلت قواتنا القريتين بدون أية مقاومة تقريبا"...
وهكذا استفاق أهالي شفاعمرو في صبيحة اليوم التالي وفي الساعات الباكرة على صرخات واستغاثات أهالي "هوشة والكساير"، تلك القرى العربية الصغيرة المجاورة لمستعمرة "رمات يوحنان"، وقد جاؤوا مذعورين يستصرخون الهمم والضمائر لصد الهجوم اليهودي الذي وقع على قراهم في تلك الليلة وليطلبوا النجدة والإمدادات من القائد شكيب وهاب الذي تركهم بلا حماية ولا وقاية وهو الذي هاجم عدوه بالأمس وجرحه جرحا كان لا يزال ينزف دما... أي تخطيط عسكري هذا وأي منطق وأي عقل سليم يقبل بهذه التفسيرات والتعليلات؟؟...
ويكر القائد مرة ثانية مع جنوده تدفعه أريحية وشهامة عسكرية لنجدة هؤلاء الأهالي العزل من السلاح يدرأ عنهم الخطر الصهيوني الزاحف الذي كان قد احتل قراهم قبل طلوع الفجر ليصلها والشمس رأد الضحى والعدو قد تمركز في الجهات الحصينة منها بعد أن قام بعملية تطهيرها من سكانها الذين أخذوا يتوافدون على البلدة زرافات ووحدانا يتقدمهم الشيوخ والرجال ومن ورائهم تسير النسوة والأطفال ولم يتمكنوا من حمل سوى النزر اليسير من متاعهم وقد هربوا أو دُفعوا إلى الهرب ناجين بأنفسهم...
وتضيف المصادر الصهيونية قائلة: "ولكن ما أن بدأنا نتمركز داخل القريتين حتى فتح علينا "الدروز" بهجوم مضاد وعنيف وأغرب ما كان في هذه المعركة كان حالة قائد الكتيبة "أوليك" (أهرون نحشون) التي كانت متمركزة في خربة "هوشة" وقد هاجمها "الدروز" بغضب عارم وكادت الذخيرة تنفد منها!!... وفي نفس الوقت هاجموا قرية "الكساير"... كان المحاربون اليهود يتعجبون كلما رؤوا موجة انقضاض إضافية تنقض عليهم وكانوا يتساءلون: "من أين جاءتهم هذه القوة"؟!... كانت هناك أربع موجات انقضاضية قام بها "الدروز" الذين تكبدوا خسائر فادحة ومع كل موجة جديدة حملوا معهم جرحاهم وما أن انتهت الموجة السابقة حتى بدت في الأفق موجة جديدة... لقد كانوا "شجعانا" هكذا وصفهم محاربو فرقة "كرميلي" الذين حاربوا "الدروز" في معركة رمات يوحنان"!!...
ويرسل شكيب وهاب، بعد أن شاهد بنفسه ما حدث وعاين خطورة الأوضاع، أحد ضباطه ليعلن لرجالات البلدة أن الوضع خطير وأن الأزمة مستفحلة وأن استعادة تلك القرى يتطلب المزيد من القوات وأن فصائله وحدها لا تقوى على استعادة ما خسرناه من مواقع متقدمة وقرى بأسرها ونحن الذين كنا بالأمس البادئين بالهجوم والمنتصرين فيه والمتقدمين عليه "والعدو" اليهودي يعد العدة لترحيل وإخلاء سكان مستوطناته مثل "كفار آتا" وما حولها من مستعمرات صغيرة بعد أن استنفر قيادته على وجه السرعة واستغاث بها طالبا النجدة لإرسال كتيبة تحميه لقلة عدده وعتاده ولكن قيادة الهاغانا، حسبما عرفنا فيما بعد، أعلمته بعدم مقدرتها على إمداده بالتعزيزات التي يطلبها لانشغالهم "بعمليات" حربية تجري ضد الجيش المصري في النقب وعليهم الصمود في مواقعهم مهما كلفهم الثمن"!!...
كل هذه الصورة تنقلب بين ليلة وضحاها لتصبح كارثة وأية كارثة تحل على رؤوسنا جميعا خسرنا فيها مواقعنا وسقطت فيها ثلاث قرى من قرانا العربية (هوشة والكساير وسعسع) في أيدي القوات اليهودية التي فجرت في ليلة 18 نيسان قرية "هوشة" وتحصنت في القرية المجاورة "الكساير" ولا يزال سكان هذه القرى حتى اليوم يعيشون في شفاعمرو كغيرهم من المهجرين الذين اضطروا للنزوح من قراهم...
وإزاء هذا الوضع الحرج والموقف العسكري الخطير وبعد الاستشارة والمشورة والتداول الذي أخذ الكثير من الوقت يتم الرأي بين القيادات المجتمعة للبحث في الوضع الذي استجد وبناء على طلب شكيب بك بأنه لا بد من عملية "استنفار قصوى" لجميع القوى الموجودة في المنطقة طلبا للنجدة بدءا بأهالي القرى المجاورة كلها وشمالا حتى القوات السورية المرابطة في صفد بقيادة أديب الشيشكلي...
(يتبع)
