عند مقاربة ظاهرة التطرف والجنوح نحو العنف والانخراط في صفوف الجماعات التكفيرية من قبل شرائح واسعة من الشبان العرب ومن مختلف البلدان العربية، على تنوع أنظمتها السياسية، واختلاف فضاءات المجتمع الأهلي فيها، لا بد أن يجري الوقوف عند مَن يتحكم في الخطاب الديني في مجتمعاتنا، أو فلنقل، ببساطة أكبر، من بيده الميكرفون في مساجدنا وجوامعنا وكافة دور العبادة في بلداننا، فضلاً طبعاً عن الكثير ممن يطلون علينا من الشاشات ممن يعرفون بالدعاة.
ثمة دراسات مهمة توجهت نحو تفكيك خطاب هؤلاء وأولئك، لاحظ واضعوها أن بذور التكفير والتحريض على العنف أو تحبيذه واردة في الكثير منها، استفادة من أصحابها مما للفضاء الديني من استقلالية عن الفضاء السياسي الذي تشرف عليه الحكومات، واستفادة أيضاً من غفلة هذه الحكومات عما يقال على الكثير من المنابر، أو يذاع على الشاشات ظناً منها أن الأمر لا يعدو إطاره الوعظي المعهود، قبل أن تتنبه إلى أن خلايا واسعة أخذت في التشكل من وراء تلك الخطابات المقنعة، لتخفي ما تنطوي عليه من رسائل وتوجيهات بعيدة عن صحيح الإسلام وغاياته، كانت سبباً رئيسياً في تسميم أذهان الشبان ودفعهم، هم وأوطانهم وشعوبهم، نحو المهالك التي نرى.
الدول معنية بصون ما للمنبر الديني من استقلالية ومن قدسية، ففي ذلك إعمال للقاعدة الصحيحة في الفصل بين الدين والسياسة، لكن هذا يتطلب أن تكون الحكومات يقظة تجاه ما يجري من جهود في توظيف هذا المنبر لا في مجرد أغراض سياسية، وإنما مدمرة أيضاً للأوطان، بألا يجري ترك الحبل على الغارب، بأن تعهد وزارات الأوقاف والشؤون الدينية، التي من اختصاصها الإشراف على دور العبادة، إلى رجال يعتد باعتدالهم وبحسن فهمم لرسالة المنبر الديني في إشاعة ثقافة التسامح والاعتدال والوسطية، وتوجيه الرأي العام نحو مقاصدها.
بطبيعة الحال ليس بعض ما يقال على المنابر هو العامل الوحيد في انتشار التعصب والتطرف، فلذلك شبكة من الأسباب المعقدة المختلفة المتصلة بقضايا الهوية وبما يعانيه الكثير من الشبان من تهميش وإقصاء وشعور بانسداد آفاق الحياة في وجوههم، ما يدفعهم نحو خيارات تدمير الذات والجماعة في أقصى وأعنف تجلياتها.
وهذا يتطلب وضع استراتيجيات شاملة متوسطة وبعيدة المدى، تكمل الخطط الأمنية الراهنة، التي قد تنجح في احتواء بعض تجليات العنف، لكنها لا تقتصه من الجذور.
والمؤكد أن ترشيد وعقلنة الخطاب الديني كلاهما وجه رئيسي من أوجه التصدي بعيد المدى لنزوعات التطرف والتعصب والعنف.
