خلافًا لعبد الناصر، اتجه السادات نحو الأمريكان والسعودية، وفتح مصر أمام المد الوهابي
*الحلقة السادسة من بحث حول "إشكالية الدين والسياسة"، تنفرد "الاتحاد" بنشره على عدة حلقات*
//بجانب السلفية الطبقية ظهر على مشارف القرن العشرين أصولية تحديثية، حاولت المزاوجة بين الدين والعلم وأحكامه. كان رائد الحركة الشيخ جمال الدين الأفغاني وتلميذه محمد عبده والمنور عبد الرحمن الكواكبي و محيي الدين التونسي، ومن فلسطين محمد روحي الخالدي والدكتور بندلي الجوزي ونجيب نصار وخليل السكاكيني وغيرهم. أذكى هؤلاء وغيرهم من الليبراليين تطلعات للإصلاح والتغيير. سعى الإمام محمد عبده إلى تحرير الفكر من التقليد، ورفض احتكار تفسير النص الديني من قبل فئة واحدة، ودعا إلى الابتعاد عن التكفير وعن الغلو في الدين، وأرجعهما إلى الجهل بالإسلام الحقيقي. خسر المعركة ضد الخديوي والاحتلال البريطاني وتخلف الأزهر. وأكد محمد رشيد رضا، قبل أن يرتد، وهو السوري الذي هرب من طغيان السلطان العثماني وتتلمذ على الإمام محمد عبده، أنه لا يخاف على دينه من حرية البحث إلا "من لا ثقة له بدينه". جسد محمد رشيد رضا في ردته تكسر موجة التحديث والاستنارة الدينية على صخرة السيطرة الكولنيالية وقبول البرجوازية العربية بدور التابع للبرجوازية المتطورة في المراكز الرأسمالية، ليس اقتصاديا وسياسيا فقط، بل فكريا كذلك. ارتد محمد رشيد رضا إلى موقف سلفي متعصب نقله إلى حسن البنا، مؤسس حركة الإخوان المسلمين والداعية الذي أحيا القديم من العادات والقيم وحارب التحديث فكرا ومؤسسات واحتكر تفسير الدين بما يعزز التعصب وعارض التأويل. ومع الزمن استدل فكر الإخوان المسلمين على الفقه الوهابي وتأثر به. وعارض الحرية ومارس التزمت دعاة الفكر العلماني، خاصة في ظروف سيطرة الفاشية والنازية.
رصد عبدالله بن المقفع اختلال القيم في كتابه " كليلة ودمنة"، منذ أكثر من ألف عام مؤشرا على اختلال الحكم. نفس القضية – علاقة اختلال القيم في ظل الاستبداد - شغلت المنور العربي عبد الرحمن الكواكبي، فقبض على طبائع الاستبداد متلبسة بجريمة النخر في عزيمة الأمة وتقويض المجتمعات العربية – الإسلامية، اقتصاديا وسياسيا وثقافيا والتسبب في نسج علاقة تبعية لها مع القوى المتأهبة حينذاك لإحكام سيطرتها الكولونيالية على شعوب الشرق. ومات الكواكبي مسموما بتدبير أوعز به السلطان العثماني. وفي الوقت الراهن تنشر الرأسمالية داخل المجتمعات المنكوبة الممارسات الملتوية، تقوض الدفاعات الأمامية بوجه إغراءات الربح وشهوة الكسب بشتى السبل. ويعرف عن شيخ الأزهر الراحل، الدكتور الطنطاوي، قوله "أن شريعة الإسلام تركت لأهل الخبرة والاجتهاد الحكم في الأمور التي تخضع فها المصلحة للظروف والأحوال، وفرضت بنصوص قاطعة الحكم في الأمور التي لا تختلف فيها المصلحة باختلاف الأوقات والظروف". الشريعة قاطعة في أمر الكسب الحرام، مما يطفح به الاقتصاد الأسود والاقتصاد الريعي. تتوازى مع دعاية التدين وتتوارد في الحياة العربية شواهد الإفقار الروحي والتصحر الوجداني بتأثير الثقافة المنحطة للعولمة، تشيع قيمها ومثلها في المجتمعات العربية والإسلامية وتنشر التجهيل كي تعزز التبعية العلمية والتقنية والإيديولوجية للمراكز الرأسمالية.
في عشرينيات القرن الماضي تمكنت الوهابية من استقطاب محب الدين الخطيب الذي وفد إلى مصر فارا من وجه العثمانيين بالشام بعد اتهامه بالانتماء إلى حركة تحرير تركيا الفتاة المناهضة لدولة العثمانيين.. وقام محب الدين الخطيب بتأسيس المطبعة السلفية ومكتبتها بمنطقة الروضة والتي شهدت ميلاد أول كتاب وهابي في مصر ثم توالت من بعد ذلك الكتب الوهابية والحنبلية التي تخدم الخط الوهابي. وقام الخطيب الذي كان على صلة وثيقة بعبد العزيز بن باز احد رموز الوهابية آنذاك والذي أصبح إمام الوهابية فيما بعد ـ بتحقيق كتاب فتح الباري شرح البخاري لابن حجر العسقلاني المصري والسطو عليه وحذف شروحات هامة منه تصطدم بالخط الوهابي وقد أقرا بذلك في مقدمة الكتاب الذي صدر فيما بعد عن طريق المطبعة السلفية.
وتعد الطبعة الخاصة بفتح الباري التي نشرها الخطيب هي الطبعة الشائعة في مصر والمتداولة بين أيدي الشباب المسلم وعناصر التيارات الإسلامية وذلك بالإضافة إلى الكتب الأخرى التي قام بنشرها في دائرة الخط الوهابي. ثم استقطبت الوهابية بعد ذلك احد رجال الأزهر المتشددين وهو الشيخ محمد حامد الفقي والذي قام بدوره بتأسيس أول قاعدة للوهابيين في مصر وهى جماعة أنصار السنة المحمدية التي تبنت الوهابية قلبا وقالبا وأخذت تدعو لها من فوق المنابر وقامت بإصدار مجلة تحت اسم: "الهدى النبوي" تغير اسمها فيما بعد إلى التوحيد التي مازالت تصدر حتى اليوم وذلك في عام 1926م، إلا انه لم تتح للوهابية طوال فترة العصر الملكي الفرصة الكافية للانتشار والتمكن في واقع المسلمين والتأثير على العقل المسلم وتشكيله وذلك نظرا لانشغال الساحة المصرية آنذاك بالقضية الوطنية ومقاومة الاحتلال الإنجليزي، إضافة إلى انتعاش الحالة الأدبية والثقافية. نشطت جماعة الإخوان المسلمين والجمعية الشرعية وهي جمعية سلفية ذات ميول صوفية مناهضة لجماعة أنصار السنة.
*السبعينيات وغزو الوهابية لمصر*
الساحة لم تكن خالية أمام الوهابية؛ إلا ان هذا لا ينفي أنها تمكنت من استقطاب العديد من رجال الأزهر وبعض رجال التعليم مثل الشيخ عبد الرازق عفيفي والشيخ عبد الرحمن الوكيل والأستاذ محمد علي عبد الرحيم الذي كان له دوره البارز في فترة السبعينيات داخل الجامعة المصرية حيث تمكن من تعبئة الطلاب بالأفكار الوهابية لأولئك الطلاب الذين قامت على أكتافهم الجماعات الإسلامية فيما بعد.
عمل الثلاثة المشار إليهم في مجال التدريس في الجزيرة العربية فترة طويلة. وعفيفي على وجه الخصوص أقام هناك إقامة دائمة حتى أصبح من هيئة كبار العلماء.
بعد سقوط الملكية في مصر جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن حيث بدأ عبد الناصر معاداة الغرب وأمريكا... وبعد ضرب الإخوان وتصفيتهم اتجهت الدولة إلى محاربة السعودية وسقطت جماعة أنصار السنة ضحية الموقف المصري المعادي لمنبع الوهابية وتوقف نشاطها حتى جاء السادات فعادت لمزاولة نشاطها من جديد بصورة أكثر نشاطا وفاعلية.
وإذ تبنَّى السادات سياسة معاكسة لساسة عبد الناصر حيث اتجه نحو الأمريكان وتصالح مع السعودية، فقد فتح مصر على مصراعيها أمام المد الوهابي. وبرزت جماعة وهابية جديدة على الساحة كانت قد انشقت عن جماعة أنصار السنة وتسمت باسم جماعة أنصار الحق وأصدرت مجلة باسم "الهدى النبوي". وبرزت أيضا مجلة الاعتصام التي كانت تتبع الجمعية الشرعية وكانت بعيدة عن الخوض في السياسة وقد تم دعمها من قبل الوهابيين لتلعب دورا بارزا في خدمة الخط الوهابي وجماعة الإخوان قبل صدور مجلة الدعوة الخاصة بها.
وفي عشرينيات القرن بدأت مبكرا الدعاية المناهضة للشيوعية. شرعت قوى الامبريالية الطامعة في ثروات المنطقة وموقعها الاستراتيجي تشن حملة ضارية ولم تكن الحركة الشيوعية بالمنطقة قد امتلكت النفوذ الذي استدعى تلك الحملة الشرسة. فقد عكست الحملة رغبة لمنع تحقيق التحالف بين السوفييت والعرب. فقد دعا لينين، قائد ثورة أكتوبر، إلى تحالف الدولة السوفييتية الوليدة مع حركة شعوب الشرق للتخلص من العبودية الكولونيالية. انطوت الحملة المناهضة لأكتوبر والسوفييت والشيوعية على أكاذيب مفبركة قرنت الاشتراكية بتدمير الأسرة ونشر الإباحية والتنكر للقيم القومية والإلحاد. وبادر مراسل صحيفة " التايمز" البريطانية بتوجيه سؤال إلى الخليفة القابع في القسطنطينية تحت سيطرة الإنجليز حول الاشتراكية فأجب أنها مخالفة للدين. كان الإنجليز يحتلون عاصمة السلطنة؛ بينما ثورة كمال أتاتورك تنشط في الأناضول. وبأمر من الإنجليز أصدر بيانا طالب فيه باغتيال أتاتورك.
ثم توجه نفس المراسل بنفس السؤال إلى شيخ الأزهر. وأشاعت الدعاية الغربية على نطاق واسع الفتويين، واستخدمتهما في دعايتها الهادفة إلى تشويه صورة الاتحاد السوفييتي والشيوعيين كافة في أعين العرب. برز في مصر في عشرينيات القرن الماضي الشيخ التفتازاني، داعية سلفي مناهض للشيوعية، واكتسب شهرة واسعة ووضعت تحت تصرفه إمكانات مادية ومعنوية؛ وعندما كان يزور بلدا عربيا، مثل فلسطين، كان يستقبل بالحفاوة من قبل الدوائر المرتبطة بالسيطرة الانتدابية. ولما قامت الأحزاب الشيوعية في الأقطار العربية وجدت بوجهها عقبات كأداء أعاقت انتشار الفكر المناهض للكولونيالية. وجوبهت بمقاومة ضارية ودعاية متجنية. كانت كلمة البلشفيك تتردد على الألسن مرادفة للإباحية البهيمية. وتوجّب على الشيوعيين بذل مجهودات مضنية لتنظيف الوعي الاجتماعي من القاذورات. كان التعاون مع الشيوعيين، أو حتى مجرد الإطراء لأي من مواقفهم الشجاعة والمبدئية يعتبر زندقة، ومن جانب الحكم دعاية شيوعية هدامة. مارست الأنظمة مقاومة حركات التحرر والديمقراطية تحت قناع الحفاظ على الإسلام، فانتهجت منهجا سلفيا وعززت العلاقات الاجتماعية والاعراف الاجتماعية ونماذج الاقتصاد العائدة إلى العصر الوسيط.
*الحفاظ على التخلف!*
الثابت في مسلك السلفية أنها صنو الوهابية، تكفر كل من يخالف ما تذهب إليه، حتى لو استندت المواقف إلى مقصد الشريعة الأساس. بينما حيال فتاوى الإبقاء على التخلف يرفع الأصوليون القاعدة الفقهية الذهبية "للمجتهد إذا أصاب حسنتان، وإذا أخطا نصيب". وكم من فتاوى مما يثاب عليها "بنصيب" مهلكة في بابها، وهي مهلكة في مجالين: تزرع في جمهور المسلمين نفورا من أفكار التقدم، وتوهم جمهور المسلمين أن الجميع يكيدون لهم! ومن ثم يسهل تكريس الاغتراب عن هذا العالم وحضارته، حضارة الصناعة والعلم والديمقراطية، ثم الابتعاد عن القوى الإنسانية الحية داخل هذه المجتمعات والمستعدة للتضامن مع قضايانا العادلة. وثانيا تضع المسلم بين خيارين كلاهما مر، حيث ساد وهم لدى الكثرة بأن الحفاظ على التخلف وسيلة لا بد منها للحفاظ على الدين. أما القضايا الحيوية والملحة لتعزيز القدرة الذاتية، مثل التقدم والحرية والتحرر والعدالة والالتحاق بالعصر ومكافحة الفقر والتخلص من البطالة والعنصرية وظلم النساء وانتهاك الطفولة وتدمير البيئة فلا تلقى الاهتمام من جانب التيار السلفي. في غياب البيئة التنموية والبحث الموضوعي في الواقع المتعين تشتط عملية المعرفة إلى ما لا ينتفع منه، ويشيع الإقصاء واستبداد الرأي والتسلط.
أبقت السلفية وكذلك النظام الكولونيالي، على ظواهر التخلف المصاحبة التي تتوافق مع بنية الفكر المتخلف الشائع، وتعمل كألغام تتفجر في الحياة الاجتماعية وتمزق النسيج الاجتماعي. ومن هذه المظاهر التشعب المذهبي بما ينطوي عليه من عداوات مزمنة. ومن الألغام احتكار السلفيين حق الوصاية على عبادات المسلمين وسلوكهم، وتطاولهم على مخالفيهم بالتكفير، أي حق إصدار حكم الإعدام المعنوي و المادي؛ ومنها أيضا تبخيس الفرد والمجموع، وتبخيس الناس لبعضهم البعض، تبخيس الأقليات الطائفية والعرقية، وهو ما تنفذ منه القوى المعادية لخلق مراكز تخريب داخل المجتمعات العربية؛ غياب القوانين والمؤسسات المانعة للقهر الاجتماعي، الإبهام والتمويه في حق المواطنة؛ نظرة مشوهة تشيد بالتاريخ دون اعتبار لتغير الأزمنة وتبدل الحكام. نزعة قوية للتميز والتقوقع ضمن منطق القوانين والشرائع الخصوصية؛ إعفاء الحكم من رعاية شئون المجتمع، وتوجه الناس إلى " أصحاب الكرامات" لقضاء حاجة حيوية أو رد مكروه؛ اللجوء إلى الأصول المنقولة عن السلف بحثا عن حلول لمشاكل الواقع، رغم ان هذه الأصول مجربة، وهي التي أوصلتنا إلى حالة التخلف والاغتراب عن العصر؛ أزمة في الهوية والعداء المستحكم بين الطوائف بتحريض من أمراء الطوائف، ما يفتح المجتمعات للفتن الطائفية؛ وأخيرا، وإجمالا لكل ما سبق منع تحديث المجتمعات العربية.
(يتبع حلقة أخيرة)
