- غنيّ عن البيان أن إسرائيل تربح من الانقسام ربحًا صافيًا لا تقابله خسارة. وغنيّ عن البيان، أيضًا، أن الجانب الفلسطيني بقسميه يخسر دون أن يجني أيّ ربح، إلا ذلك الربح البغيض الذي يستأثر به منتفعون بالانقسام على هذا الجانب أو على الجانب الآخر
//
اتفاق الدوحة الأخير، أو اتفاق عباس – مشعل، كما سمّاه الإعلام، حمل الرقم الذي يستحقه في مسلسل اتفاقات مماثلة لم تجد طريقها إلى التطبيق. وبهذا، على ما يبدو منذ الآن، انتهى أمرُ اتفاق الدوحة إلى ما انتهى إليه أمرُ كلّ اتفاق سبقه، إلى رقم في مسلسل.
منذ اتفاق مكّة، تتكرر في اتفاقات المصالحة الفلسطينية جميعها ظاهرةٌ لا تتبدل: يتوسط طرفٌ ما، غالبًا ما يكون دولة عربية، السعودية، سورية، الأردن، مصر، وهذه المرة قَطَر؛ فينعقد اتفاق بين "فتح" و"حماس"، ويجني الوسيط للتوّ ما يتوخاه من حسن السمعة ويستثمره لصالحه؛ ويبثّ طرفا الاتفاق، كل واحد من جهته وبلغته، موجات تفاؤل؛ وتُدعى الفصائل الأخرى إلى التهليل لما تمّ التوصل إليه وإعلان الرضا به؛ ثمّ لا يلبث أن يتعثر التطبيق، فيقلق الجمهور، وتحلّ خيبات الأمل، ويتفاقم الإحساس بالإحباط؛ ويجري تحميل مسؤولية الفشل لهذا الطرف أو ذاك أو لهما كليهما، فينبري كلّ طرف إلى اتهام الطرف الآخر وتبرئة ذاته هو؛ ويستمر صخبُ الاتهامات المتبادلة إلى أن يتوسط طرف ما، الدولة ذاتها، أو دولة أخرى؛ وتتكرر الحكاية بلا زيادة، وبلا نقصان.
في غضون ذلك، وذلك هو ما امتد حتى الآن لستِّ سنواتٍ متصلة، يتكرس الانقسام على أرض الواقع، وتتوطد المواقف المبنية على وجوده، وتتسع مصالح المستفيدين منه، ويغيض الاهتمام بالشأن الوطني العام. الرابضون فوق أرض غزّة يُنشئون ما يبيح لهم الوضع إنشاءه من مظاهر إمارتهم التي في البال، ويستخلصون ما يمكن استخلاصه من منافع لهم ولمن يلوذون بهم. والموزَّعون في الضفة يتشبثون بسلطتهم التي عجزوا عن تحويلها إلى دولة، ويستخلصون هم أيضًا ما يقدرون على استخلاصه، ويعللون أنفسهم بالأوهام.
ما الذي يُعيق تطبيق اتفاق الدوحة؟ ما الذي أعاق تطبيق الاتفاقات السابقة؟ ما الذي يُنذر بإعاقة تطبيق الاتفاق التالي؟ ثلاثةُ أسئلة هي، في واقع الأمر، حصيلة سؤال واحد. وثلاث إجابات متوقعة يجمعها عنوانٌ واحد: زُغْر العقل إذا استخدمنا العاميّة البسيطة، أو صِغر العقل إذا جارينا فصحاء العرب.
صِغر العقل هذا هو ما يُغلّب المنافعَ الطارئة على المنافع الدائمة، مصلحةَ الفئة على مصلحة الشعب، وهو ما يتيح لإسرائيل التي أسهمت بالقسط الحاسم في صنع الانقسام إلى أن تُديمه دون أن يكلفها عملها لإدامته أيّ مشقّة تُذكر. فصِغر العقل من شأنه أن يُسهل لإسرائيل الحصول على ما تُريد.
غنيّ عن البيان أن إسرائيل تربح من الانقسام ربحًا صافيًا لا تقابله خسارة. وغنيّ عن البيان، أيضًا، أن الجانب الفلسطيني بقسميه يخسر دون أن يجني أيّ ربح، إلا ذلك الربح البغيض الذي يستأثر به منتفعون بالانقسام على هذا الجانب أو على الجانب الآخر.
فهل يخطئ من يجزم أن إسرائيل هي أبو الانقسام وأمّه وهي التي تستخدم قوتها والوسائل التي بحوزتها لتُبقيَ الانقسام قائمًا وتمنع جهود المصالحة من أن تُفضي إلى نتيجة. هل يمكن أن يُهمل المراقب دلالة بقاء تفرّد "حماس" بقطاع غزّة، وتفرد "فتح" وما على شاكلتها بإدارة شؤون الضفة، وما تفعله إسرائيل لاستمرار هذا الوضع، وما تحجم عن فعله إذا كان من شأن فعله أن يبدّله.
الواقع يُظهر أن إسرائيل كررت في شأن الانقسام ما فعلته في كلّ شأن فلسطيني آخر: صُنعُ وضعٍ يُحشَر فيه الفلسطينيون داخل حلقة مفرغة ويفتقرون فيه إلى الوسائل التي تؤهلهم للخروج منها.
والآن، إذا كان الإفلات من الحلقة المفرغة صعبًا، فهل صار مستحيلا؟ هل نحن، بهذا الانقسام، إزاء مرحلة، أو إننا إزاء حدث طرأ ومن الممكن معالجته؟ وهل ستمتد المرحلة التي بدأت بالانقسام كما امتدت المراحل التي شهدت الغزو الصهيوني لفلسطين، والتي شهدت إنشاء إسرائيل في العام 1948، والتي شهدت التوسع الكبير في العام 1967؟ وهل ستظل أسئلة مرحلة الانقسام بغير إجابات، كما ظلت أسئلة المراحل الأخرى؟ وهل ستظل مسائل هذه المرحلة بغير حلول هي الأخرى كما ظلت المسائل السابقة؟
مسؤولية وضع الإجابات وتحديد ما يلزم للعمل في هديها تقع على عاتق الذين لا تدفعهم المصاعب إلى رفع رايات الاستسلام أو التعزّي بالمزايدة. "فتح" و"حماس"، في ما آل إليه حال كلٍّ منهما، غير مؤهلتين لتغليب ما يُكبِّر العقل على ما يُصغِّره. والفصائل الأخرى ليست في حال أفضل. لكن المؤهلين لإدراك ما هو ضروري للخروج من الحلقة المفرغة موجودون في كلّ مكان، في "فتح"، كما في "حماس"، كما في فصائل أخرى، وموجودون، خصوصًا، خارج الفصائل. وهؤلاء هم المندوبون لإعادة الاعتبار لصوتِ العقل، لأولويةِ المسألة الوطنية، لأهميةِ وضع مهمة إنهاء الاحتلال في مقدمة المهامّ كلها.
بكلمات أخرى أقلّ: في الساحة الفلسطينية كثيرون مؤهلون لإعداد برنامج للعمل الوطني يقوم على الهوامش المشتركة بين جميع الوطنيين.
بدون حركة في هذا الاتجاه يُبادر إليها من يثق الجمهور بنزاهة دوافعهم ورجاحةِ عقولهم وقدرتهم على التصرف السديد، لن يخرج أحد من أي حلقة مفرغة، ولن ينجم من المكوث الطويل في هذه الحلقة اللعينة إلا البوار، وسيظل بإمكان إسرائيل أن تطيل أمد الانقسام كما أطالت أمد احتلال 1967، كما أطالت أمد توسعها في 1948، وكما قد تطيل أمد كلّ توسع جديد.
