أبو علي الانسان الانسان

single

أسعدتم مساء في هذا الحفل الرائع، في البلد الشامخ، في هذا الصرح العالي..
أسعدتم مساء بين أهلكم وناسكم، بين إخوتكم وأخواتكم.. بين أصدقائكم وأحبابكم..
"علمتني الحياة أن أحب وأحترم الذين يأكلون خبزهم بعرق الجبين وأن أبتعد عن هؤلاء الذين يَزٍنُون الآخرين بما يملكون من أموال وبما يجمعون من ثروات فأنا لا أرتاح لمجالستهم حتى لو تكرّموا وجلسوا معي.
 علمتني الحياة أنّ أكبر الكبائر هي الإضرار بالناس وأن أسوأ الأخلاق هو الكذب.. وأسوأ الكذب هو أن يكذب المرء على نفسه.
 علمتني الحياة ألا أجري وراء المناصب أو وراء الشهرة أو وراء الجاه ولكن لا اعتراض لي عمّن يجري وراءها ما دام يعمل ويسعى ويتصرّف بالضوابط الأخلاقية وبالقيم الإنسانية.
 علمتني الحياة أن احتقر هؤلاء الذين يزعمون بأن فنّ السياسة ممزوج بالكذب. لماذا لا يكون السياسيون صادقين مع الناس ومع أنفسهم ومع بيوتهم ومع الهواء والفضاء؟
 علمتني الحياة أن أطيب الشراب هو الماء وألذّ الطعام وأفيده النبات.
 علمتني الحياة ألا أسكت عن قول كلمة حق حتى لو أزعجت سلطانا جائرا أو أغضبت صديقا أو أزعلت قريبا أو جارا.
 علمتني الحياة أن ابتسم لأهل البيت وللجار وللصديق وللزميل ولسائر الناس فالبسمة وردة بيضاء وعربون محبة مع الآخرين الذين أنا بحاجة إليهم كما تحتاج السمكة للماء كي تبقى حية.
 علمتني الحياة أن احتقر المنافقين والنّمّامين والذين يخونون " العيش والملح".
 علمتني الحياة أن أحرص على أصدقائي وأن أكون وفيّا لهم صادقا معهم فكم يؤلمني أن أخسر صديقا. فخسارة الصديق مثل خسارة عضو من الجسد.
 علمتني الحياة أن أحترم جميع الديانات وألا أناقش امرأ في دينه. والديانات على الرغم من صراعاتها غرست فيّ حبّ الناس وعلمتني أن الإنسان هو أغلى ما في الوجود.
 علمتني الحياة أن أجمل البلدان بلدي، وأدفأ البيوت بيتي،وأحنّ الأمهات أمي وأكرم الآباء أبي وأجمل اللحظات حينما أحتضن حفيدي وأسعد الصباحات حينما ابتسم لجاري ويبتسم لي ونتبادل التحية.
 علمتني الحياة أنّ القصة التي أحلم بأن أكتبها ما كتبتها بعد وأن الكلمة التي أبحث عنها ما وجدتها حتى اليوم.
 علمتني الحياة أنها قصيرة و أخبرتني " بأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة". فلماذا نغضب ونحزن ونتخاصم ونتعادى ونتقاطع؟
 علمتني الحياة أن أحاسب نفسي وأن أقول لها دائما مهلا وعلى رسلكِ يا نفسُ، وأن أصلي لله كي أبقى انسانا. فما أصعب أن يكون المرء انسانا. هذه مهمة شاقة.
 اللهم ازرع في قلبي الحب.
اللهم اني أصلي لك كي أبقى انسانا. انسانا. انسانا".
هذا هو محمد علي طه كما يتحدث عن نفسه.. هذا هو أبو علي الانسان الانسان..
الحضور الكريم..
لقد جئتم وجئنا لنحتفل ونحتفي ليس بالأديب والكاتب والعلَم والمعلم ابن قرية ميعار المهجرة الحائز على وسام فلسطين فحسب، بل نحن على موعد اليوم بكل ذرة تراب من تراب ميعار وحطين وصفورية والبروة والبصة والدامون ودير القاسي وأم الزينات وغيرها من القرى التي لا زال تينها وزيتونها ونعنعها وصبرها شامخا يضرب جذوره في رحم الأرض والتاريخ، وفي كل حرف وكلمة رسمها أبو علي في؛
جسر على النهر الحزين، وعائد الميعاري يبيع المناقيش في تل الزعتر، ووردة لعيني حفيظة، وعائد وحفيظة، وعرس الفتى سرحان، والنخلة المائلة، وسيرة بني بلوط.. وغيرها وغيرها من أعماله الخالدة.
جئنا لنحتفي ونحتفل بالعكوب والمرار والزعتر الذي يفوح عطره كلما قرأنا قصة أو خاطرة أو رواية لأبي علي..
جئنا لنحتفل ونحتفي بالدرويش بالقاسم براشد حسين بالزياد بإميل توما وصليبا خميس الذين أطلُّوا بقاماتهم الشامخة وهاماتهم المرفوعة من وراء سطور روائعه..
نحن على موعد الليلة مع عبق التين والزيتون والرمان والبرتقال والصبار والقندول.. نحن على موعد الليلة مع فلسطين أرضها وسهولها ووديانها وعيونها..
مع القدس ونابلس وغزة وجنين والنصرة وعكا وحيفا ويافا.. نحن على موعد مع هموم الناس الكبيرة، وعذاب الانسان الفلسطيني المحاصر والمعذب والمشرد الطامح إلى الحرية ومعانقة الشمس.
نحن على موعد مع أصالة اللغة الفلاحية القروية الجميلة الحبيبة عاميتها وفصيحها، بلغتنا هويتنا القومية والوطنية.. نحن على موعد مع موروثنا الشعبي، قصصه وأمثاله..
جئنا لنحتفل بالشهداء بالجرحى.. بيوم الأرض الخالد.. بهبة القدس المجيدة..
جئنا لنحتفل ونحتفي بأديب ومفكر وكاتب وقائد ونقاش وبحار وناطور وحدّاء، نقش تاريخ شعب بحروف من ذهب وتراب وأزهار وجبال وسهول فلسطين.. فكان أدبه عاشقا معشوقا، مشفوعا بالحب والغزل تزينه ألوان قوس قزح فلسطين تطل عليه شمس الحق والحرية.. ولما كان الميعاري أبو علي ابن النكبة، عايشها وعايشته، حملها وحملته، انحدر من عائلة فقيرة ذاقت مرارة الترحيل، فقد فجر أدبا فلسطينيا غنيا وكأننا به يؤكد أنه من رحم المعاناة تتفجر وتولد البطولات.. فجاء صوته الجبلي مدويا عاليا في سماء الجليل منذ نعومة أظفاره مرددا قول الشابّي ومؤكدا على أنه:
إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر..
كل هذا وذاك جبله أبو علي بلغته السلسة الرائعة المرصعة بالألفاظ والتعابير العامية وأسماء الأماكن والشخصيات الشعبية من وحي حياتنا وواقعنا، فأنت حين تقرأ أدب الميعاري لا تنفك عن الضحك والابتسام، وكأنك به ساخر من مفارقات واقع مرير، محارب اليأس زارع الأمل ومبشر بمستقبل واعد وغد مشرق..
فنحن الليلة على موعد مع الحلم الفلسطيني..
نحن على موعد الليلة مع التاريخ مع الحاضر مع المستقبل..
مرة أخرى..
أهلا وسهلا بكم مع تمنياتنا لكم لكم ولنا بأمسية جميلة وحفلا رائعا..

 

(نص الكلمة الافتتاحية في حفل تكريم الكاتب والأديب محمد علي طه الذي أقيم في مركز محمود درويش الثقافي – عرابة، يوم الأربعاء 3 تموز 2013)

قد يهمّكم أيضا..
featured

مصر التي..... في خاطري..... وفي دمي

featured

الإنسان عاريًا

featured

سؤال التغيير والدولة الديمقراطية!

featured

أبو علي الانسان الانسان

featured

ستون عاما ونيف على بدايات نشوء فرع للحزب الشيوعي في قرية المكر

featured

الطيرة ستنتصر

featured

قمّة فشل الأنظمة العربية