بلاد العُرب أوطاني! دعونا ننتظر!

single

*لا اريد احباط اي ثائر ديمقراطي ينشد الحرية، بل احذر كل الثوار من الانتهازيين الظلاميين، واناشدهم بان يسهروا على ثورتهم، وان لا يتركوا لقوى اكثر قمعا وظلما سرقة الثورة والحرية والديمقراطية*

قريبا من درعا، أو اقرب اليها من سخنين، أبيت هنا على أرض الجولان السوري المحتل، هنا اقام اليهود مستوطنات وكيبوتسات، وفي احداها أبيت في غرف الضيافة، الطقس رائع نهارا وليلا، لكن المهم أكثر أنك تسمع الهدوء، تتنفس الصمت الا بعض أصوات من طلاب عرب يبيتون هم أيضا في غرف الضيافة.
  كل اسرائيلي هنا يشعر بالأمن والأمان، وكل عربي من مواطني اسرائيل الفلسطينيين يشعر بالأمان والاطمئنان في ربوع الجولان السوري المحتل.
  هنا تنام تحت قبة السماء، لا لصوص ولا شرطة قمع ولا من يسألك عن لغتك، أو دينك أو لون بشرتك ولا "شبّيحة". وأنا الآن استعمل حاسوبي النقال تحت الهواء، لا أخشى مراقبا، أو بلطجية "مخابرات الانترنيت".
  وأنظر قريبا الى الجنوب الشرقي، لا أرى حوران ولا درعا السورية، لكنها قريبة مني مسافة واحساسا وتضامنا، هناك أناس مثلي بالضبط، يحبون الحياة، يتكلمون العربية أفضل مني، وينظرون الى حيث أنا، ويتحسّرون على جزء من وطنهم يقبع تحت الاحتلال منذ واحد وأربعين عاما. ولو كان بإمكانهم رؤية ما يجري هنا، لما تمنوا ان يحرروا الجولان المحتل، بل كانوا سيتمنون لو أن قوات الاحتلال الاسرائيلي تقدمت بضع كيلومترات اخرى، واحتلت حوران أيضا.
  هل من عاقل يتمنى ان يحكمه اجنبي من غير بني جلدته؟ أظن الجواب، نعم، نعم لان ابن البلد لا يحكم، بل يتحكم، وهو لا يسوس الرعية، بل يدوس الرعية، وسأقول كلاما جارحا وحادا وواضحا، وعلينا جميعا أن نكون واضحين أمام الامة العربية بموقفنا بكل ما يحدث في هذا الوطن العربي، هذا الوطن المنقسم بين ظالمين ومظلومين، بين قامعين ومقموعين، بين بطون لا تشبع نهما ونهبا، وبطون خاوية العمر، وان شبعت يوما فبمكرمة من الحاكم الذي تحت رعايته يتنفس الناس.
  لماذا يكون العربي محترما في كل الكون الا في بلاد العرب؟ لماذا يتاح للعربي ان يعمل بكرامة ويمارس حياته بكرامة في كل أرض سوى وطنه؟ ولماذا يريد العربي في بلاد مهجره ان يفرض عاداته ودينه وعقليته على المجتمع الغريب الذي يحتضنه؟ واذا كان العربي في بلاد مهجره يسعى الى مجتمع كالذي لفظه او فر منه، فلماذا لا يعود اليه ويترك بلاد الغرباء لأهلها يمارسون فيها فجرهم وكفرهم وشذوذهم؟
  يقلقني جدا أننا لا نعرف ماذا نريد من أنفسنا ومن المجتمع الذي نعيش فيه، ويقلقني أن طريقة تفكيرنا تختلف عما لدى سكان الارض. فقد استمعت الى مفكر اوروبي سُئل عن احتمال ان يصل مسلم رئاسة حكومة هولندا، ولم يفهم المفكر السؤال، لأنه لم يستطع ان يفهم استثناء المسلم الهولندي من اي منصب في الدولة، وفي نفس السياق، هل كان باراك اوباما يجرؤ على ان يرشح نفسه لعضوية سلطة محلية عربية بصفته كأسود ولاجئ؟
ويقلقني أن النقاش السائد في العالم العربي حول الحكام يدور في كثير منه حول الطائفة، فهل بشار الأسد يجب أن يرحل لأنه علوي الطائفة؟ اذا كان هذا هو الاعتبار فانا اول مؤيد لبشار، واذا كان بشار غير مرغوب فيه بسبب القمع والظلم واحتكار السلطة، فأنا ضده بالطبع، واذا كان شيعة البحرين يطالبون بالحرية، فهذا رائع وانساني، اما ان كان لا يعجبهم في الملك انتماؤه لطائفة السنة فليذهبوا الى الجحيم!
من الصعب أن تفهم حاكما يقتل الناس في عصر اصبح الحاكم خادما لشعبه، ومن الصعب ان تفهم شعبا يطالب بالحرية، وفي نفس الوقت يستميت من اجل دولة دينية او خلافة اسلامية، هل يضحي الناس من اجل خلافة كالعباسية او الاموية او العثمانية، وكانت كلها اكثر دموية من كل حكام العرب الحاليين!!
    أعتقد أننا وللأسف، لا ننشد مجتمعا ديمقراطيا، بل يتمنى كل فرد منا حكما يتماشى مع اهوائه. القوى المنفتحة على الغرب، تعاطفت سرا او علانية مع انظمة الاعتدال العربية، وتمنت دوامها على ظلمها وظلامها. اما القوى المساندة للممانعة، فقد ذابت عواطفها وكاد يغمى عليها خشية على انظمة الاستبداد الممانعة!!
  والبعض العربي فرح للدور التركي "المتشدد" في وجه اسرائيل، وصعد قمة جبل الاحلام ليكون اول من يرى جحافل الخلافة العثمانية قادمة لاحتلال عشائر العرب، والبعض فرح للنفوذ الايراني الذي اصبح الكثير من العرب يدورون او يرقصون او يقاتلون حسب مصلحة نظام ايران في اطالة عمر نظامه بشعارات ايرانية ودماء وآلام عربية.
  وحين انظر في الخارطة التي ستكون بعد اعوام قليلة، اشعر بكثير من الشفقة والحزن والألم على الفئات العربية التي دفعت ثمن طرد الطغاة، هؤلاء، ولا تغضبوا من حديثي، هؤلاء سيعانون غدا، لأنهم وبعد ان قدموا التضحيات، طردوا الطغاة، ستأخذهم اغفاءة استراحة، لكن، حين يفتحون العيون، ويقفون على شرف منازلهم لاستنشاق الحرية، سيجدون امامهم رجال مخابرات غير التي عرفوها، تسوقهم الى سجون واتهامات ومشانق، ولماذا هم بالذات؟ لانهم ثوار، والنظام الجديد يريد انهاء ما يسمى ثوار، وباختصار، نسخة مطورة مما فعلته الخمينية، حيث كان الشباب والصبايا والاحزاب العلمانية هم قادة وشرارة الثورة على الشاه، لكن الخميني الذي كان ضيفا في فرنسا بعد العراق، عاد الى طهران بعد ان طبخ الآخرون الثورة، وجاء الخميني وقطف ثمار الحكم، وقطف رؤوس كل الاحزاب التي قادت الثورة.
  لا اريد احباط اي ثائر ديمقراطي ينشد الحرية، بل احذر كل الثوار من الانتهازيين الظلاميين، واناشدهم بان يسهروا على ثورتهم، وان لا يتركوا لقوى اكثر قمعا وظلما سرقة الثورة والحرية والديمقراطية. وان سألني احد عن تقديري لما سيكون، اقول، القاعدة في بلادنا أن الحاكم الماضي أفضل من سابقه، وان انقلبت المعادلة وبدأ الحكام الحاليون يسيرون على نهج أفضل من سابقيهم فقولوا، بلاد العُرب أوطاني.

قد يهمّكم أيضا..
featured

إن كنت رجلا اصمت وأطلق نحو الهدف!

featured

عن التراجعات الأميركية

featured

لنزع الخطر على المستقبل

featured

المرأة مستقبل الرّجل

featured

سياسة إجرامية بحق طالبي اللجوء!

featured

من الذي أمر بالهجوم على شارلي إيبدو؟

featured

مواقف مختلفة والضحية فلسطينية