أسيادٌ وأتباع

single

أوباما ونتنياهو، السيد والتابع

 

*منذ بن غوريون حتى نتنياهو، تعرض حكام إسرائيل المتعاقبون لمواقف مماثلة، في السرّ أو في العلن، حول مسألة أو غيرها، واضطر كل واحد منهم إلى أن ينصاع لإملاء أميركي، ما يعني أن تطابق السياسة الإسرائيلية مع السياسة الأميركية في معظم المسائل الأخرى يمليه تطابق المصالح. أما في حالة الاختلاف فالقرار للأسياد، وليس للإتباع، والأسياد هم الحكام الأميركيون*

 

على جانبيّ الخط الأخضر، مع اختلاف في النِسَبِ فقط، يُروَّج كثيرون الرأي الذي يقول إن إسرائيل تلعب دوراً ذا تأثير حاسم في صياغة سياسة الإدارة الأميركية وسلوكها في مسألة الصراع العربي الإسرائيلي. دوافع هذا الترويج كثيرة، وهي تتفاوت وتختلف وتتباين. على الجانب المعتدى يَرُوجُ هذا الرأي عند الذين يتجنبون أن توضع إسرائيلهم في مرتبة التابع المأجور الذي يخدم الأسياد الأميركيين، وعند الذين يفتنهم ادّعاء احتياز إسرائيل على القوّة اللازمة لإخافة الآخرين حتى لو اختلفت مع الأسياد. وعلى جانب الضحايا تتضافر دوافع شتى: الجهل، الخفة في التناول، التستر على القصور، التستر على سياسات حكام عرب تابعين للأميركيين، وكذلك الحاجة إلى إبقاء نافذة أمل بأن الانحياز الأميركي لإسرائيل سوف يتبدل ذات يوم.
الجدل حول صواب هذا الرأي وعدم صوابه يتواتر مع تواتر الأحداث ذات الصلة، يَهِنُ الجدل أو يحتدم، لكنه لا يتوقف. وها نحن إزاء موجة جديدة أجّجها توجُّه رئيس حكومة إسرائيل إلى تقديم موعد الانتخابات، ثم التراجع عن ذلك، واتفاقُ الآراء على أن الدافع ناجم، في نهاية المطاف، من حاجة فريق الحكومة إلى تحصين الموقف الإسرائيلي سلفاً إزاء إملاءات يتوقع هذا الفريق أن تأتي من الجانب الأمريكي، إذا نجح الرئيس باراك أوباما بالظفر بولاية حكم ثانية.
نستحضر هنا كم تبجح بنيامين نتنياهو بقدرة حكومته على رسم سياسة مستقلة واتِّباع سلوكٍ مستقل حتى لو خالفت هذه السياسة أو هذا السلوك ما تريده الإدارة الأمريكية. نستحضر كذلك كيف صُوِّر الأمر في إسرائيل على أن نتنياهو يضع الكونغرس في جيبه الصغير ويضمن ولاءه له هو حتى لو اختلف هو مع الإدارة. نستحضر كيف تبجح نتنياهو، وذلك على سبيل المثال فقط، بأنه قادر على التملص من استحقاق سلامٍ تريده الإدارة الأمريكية مثلما أنه قادر على شنِّ حربٍ لا تريدها.
الآن، بالهرولة إلى تقديم موعد الانتخابات ثم التراجع، يضع نتنياهو نفسه بنفسه في قائمة رؤساء حكومات إسرائيل الذين تبجحوا بما يتبجّح هو به ثم سقطوا في الاختبار حين اقتضى الأمر أن يخضعوا لإملاء أميركي. وبين مشاهد كثيرة يتذكر أبناء جيلي وقفة دافيد بن غوريون أمام كنيست إسرائيل، وهو يطلب، بصوت باكٍ وعيون دامعة، موافقة الكنيست على سحب جيش إسرائيل من سيناء وإلغاء قرار ضمّ قطاع غزة، القرار الذي كان هو نفسه قد طلب إصداره، وكلّ ذلك لأن الرئيس الأميركي دوايت ايزنهاور أملى في العام 1956 على إسرائيل أن تتراجع عما احتازت عليه ثمرة للعدوان الثلاثي.
ومنذ بن غوريون حتى نتنياهو، تعرض حكام إسرائيل المتعاقبون لمواقف مماثلة، في السرّ أو في العلن، حول مسألة أو غيرها، واضطر كل واحد منهم إلى أن ينصاع لإملاء أميركي، ما يعني أن تطابق السياسة الإسرائيلية مع السياسة الأميركية في معظم المسائل الأخرى يمليه تطابق المصالح. أما في حالة الاختلاف فالقرار للأسياد، وليس للإتباع، والأسياد هم الحكام الأميركيون.
التذكير بهذه الحقيقة لا ينفي أمرين: الأول هو وجود حالات قد تبدو مختلفة في الظاهر، ويبدو فيها أن إسرائيل تتمتع بقرار مستقل. والثاني هو أن حكومة إسرائيل تتمتع بين أتباع الولايات المتحدة الكثيرين بمنزلة خاصة لا يتمتع بها سواها. ومما لا شك فيه أن وجود هذين الأمرين قد أسهم في ترويج الرأي الخاطئ الذي أُشير إليه في مطلع هذا الحديث.
مثال الحالة الأولى يتواتر أكثر ما يتواتر حين تسلك إسرائيل سلوكاً يقترن بارتكاب جرائم، فتسجل الولايات المتحدة انتقاداً للجرائم، فيبدو أنها لم توافق على السلوك ذاته. أما تمتُّع إسرائيل بالمنزلة التي لا يتمتع بها سواها فناجم من حقيقة أن هذه الإسرائيل هي، بين الأتباع جميعهم، الأكفأ في الخدمة، الخادم الذي يؤدي المطلوب على أتمّ وجه، بأقل كلفة، وبأسرع وقت.
أما الذين ينسبون منزلة إسرائيل المتميزة إلى المال والنفوذ اليهوديين في الولايات المتحدة، فهم ينطلقون من رأي آخر خاطئ. وهذا الرأي يجري ترويجه بالدوافع ذاتها التي تدفع إلى المبالغة في الإيهام بقدرة إسرائيل على السلوك المستقل. السياسة الأميركية التي تشكو الشعوب العربية منها تمليها في المقام الأول والأخير مصالح القوى الأميركية الحاكمة. والنسبة الكبرى من اليهود الأميركيين المنحازين لإسرائيل ينحازون لها بما هم أميركيون تخدم إسرائيل مصالحهم. وهذا يعني أنهم مرشحون لأن يعترضوا على سياسة إسرائيل كما قد يعترض أي أميركي آخر إذا جلبت هذه السياسة ما لا تريده الولايات المتحدة.

كاتب هذه السطور تتبَّع بإمعان شديد موقف الإدارة الأميركية من مسألة تأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة. كثيرون ينسبون وهنَ الموقف الأميركي إلى مراعاة الإدارة لموقف إسرائيل الرافض لتأسيس هذه الدولة. أما الواقع، فإن الرفض أميركيّ أيضاً بمقدار ما هو إسرائيلي، وربما أشدّ. الإدارة الأميركية وأتباعها في المنطقة جميعهم يخشون أن يتمتع الفلسطينيون باستقلال حقيقي. صلابة الفلسطينيين في الكفاح من أجل الاستقلال تحرج هؤلاء جميعهم، فتدفعهم إلى الموافقة على شيء ما من الاستقلال الفلسطيني. نتنياهو وفريقه يخشون حتى هذا الشيء الذي هو قليل.

قد يهمّكم أيضا..
featured

عمالة الملوك

featured

"قانون القومية"، انحطاط "بحكم الضرورة"!

featured

مرتزقة ... وأقنان

featured

أمثال أبراهام بورج ذخر