من الزّمن التّنكيّ إلى التّراث الماسيّ والعصر الذّهبيّ

single

    ما أجمل أن يغادر الإنسان العربيّ العيش في العصر التنكيّ للأنظمة العربيّة السّاقطة أو الآيلة للسّقوط، ويبدأ حياة جديدة في عصر الشّعوب العربيّة الذّهبيّ المقبل على البناء والتّطوّر والتّحرّر والصّعود إلى قمم جبال الانتصارات وقطف ثمار الكرامة الإنسانيّة والعزّة الوطنيّة.
    لقد شبّت هذه الشّعوب عن طوق القبول بالمرّ وذلّ العيش والاستسلام للدّعة والتّواكل والخمول والخوف من جبروت الأمن والنّظام، بعد أن حطّمت الحواجز الغليظة ودكّت الجدران السّميكة ورمت الأبراج العالية، فهوت أمام إرادات الشّعوب كعمّوريّة أمام "معتصم" بالله والحقّ، أو كما تهوي أوراق خريف صفراء أمام شتاء غاضب وربيع ضاحك طلق، عندئذ تبدو الأشجار كتينة "أبي ماضي" الحمقاء عارية من كلّ فيء وثمر ومن كلّ ما يمكث في الأرض فينفع النّاس فتذهبت التّينة جفاء كالزّبد.
    ليس جديدًا على هذه الشّعوب أن تنجز هذه الانتصارات، لأنّها تدّخر رصيدًا تراثيًّا ماسيًّا، لا ينضب معينه من الأمجاد الزّاخرة بالبطولة والمواقف المشهودة بالكرامة  والرّجال الذين يشار إليهم ببنان الشّرف والتّضحيات والعزّة، على مدى التّاريخ العربيّ من قديمه حتّى حديثه.
    فالمصريّ يتنسّم رائحة بناة الأهرام ودحر الهكسوس والرّوم والإنجليز ووفد زغلول وثورة الضّباط وتأميم القناة وصدّ العدوان الثّلاثيّ وجمال عبد النّاصر.
    والتّونسيّ يتذكّر مقدّمة ابن خلدون ومؤخّرة آخر جنديّ يرحل للاستعمار الفرنسيّ ويتذكّر "إذا الشّعب يومًا أراد الحياة" وأبا القاسم الشّابيّ.  
    والليبيّ يستذكر عمر المختار الذي قال: "نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت" أمام الجحافل الفاشيّة لغراتسياني وموسوليني، ويستذكر الفاتح من سبتمبر حين كان معمّر القذّافيّ رمزًا أبيض قوميًّا وناصريًّا ثوريًّا، وخلع الملكيّة السّنوسيّة السّوداء، فكان أملاً للشّعب الليبيّ. اليوم معمّر القذّافيّ رمز أسود لا قوميّ ولا ناصريّ، وهو نفسه قائد الثّورة المضادة، التي يموت الآن مئات الليبيّين، من أجل إسقاطه، كي تعود ليبيا حرّة عربيّة تحمي ثرواتها وكرامتها من تفريط هذا الملك المؤبّد الجديد الذي يحكم ليبيا وينهب ثرواتها وأبناءه منذ أربعة عقود ونيّف.
    والبحرينيّ عندما يثور ضد النّظام الملكيّ البائد، فهو يستلهم صموده من نضال ناصر بن سعيد الذي قال فيه مظفّر النّواب: "ويا ناصر بن سعيد إن كنت حيًّا بسجن، أو كنت حيًّا بقبر، فأنت هنا بيننا ثورة عارمة".
    واليمنيّ يستوحي احتجاجه وثورته من حضارة غمدان ورغدان وسدّ مأرب، ومن سيف بن ذي يزن أمام غزاة الأحباش، والوقفة القوميّة التّقدّميّة لجمال عبد النّاصر أمام قوى الظّلام والإمام يحيى، ومن الحزب الاشتراكيّ اليمنيّ وعبد الفتّاح إسماعيل وسائر التّقدّميّين اليمنيّين.
    والجزائريّ يستعيد الآن أيّام عبد القادر الجزائريّ وحركة التّحرير ومليون الشّهيد وفلول الاستعمار الفرنسيّ، وعروبة أحمد بن بلاّ ورؤية هواري بومدين الاشتراكيّة، وأشعار مالك حدّاد وروايات محمّد ديب.
    والفلسطينيّ سينتصر على الاحتلال وحلفائه وأعوانه ومطيلي عمره لا محالة، بالاستناد على صموده ودماء شهدائه وانتصار جرحاه على جراحهم وعذاب أسراه، وبالاستناد على حنين اللاجئين الذي لا يميد وحلم المهجّرين الذي لا ينفكّ يأمل بالعودة، وبالاستناد على وحدة الحلم الوطنيّ أمام الانقسام اللاوطنيّ، وبالاستناد على شعر إبراهيم طوقان وأبي سلمى وعبد الرّحيم محمود وتوفيق زيّاد ومحمود درويش ومعين بسيسو وروايات غسّان كنفاني وماجد أبي شرار.
    للأمّة العربيّة نبع ماسيّ، يفيض بالتّراث الثّوريّ، ونهر لا ينضب من الثّقافة الإنسانيّة التّقدّميّة، منذ يوم ذي قار وعام الفيل وثبات الرّسول أمام الكفر والجبروت، ومنذ ابن سينا وابن رشد وابن خلدون، ومنذ عنترة بن شدّاد وعروة بن الورد والفرزدق والكُميت، ومنذ ابن الرّوميّ والمتنبي والمعريّ والجاحظ، ومنذ ابن النّفيس وابن الهيثم والإدريسيّ. إنّ هذا التّراث يؤهّل كلّ شعب من شعوب الأمّة من تذليل كلّ المصاعب التي تعترض جريان انتصاراته من الخارج ومن الدّاخل، كي يصل بالتّالي إلى تحقيق أهدافه النبيلة وطموحاته السّامية إلى الحياة الحرّة الكريمة.
    بالاستناد إلى ذلك التّراث الماسيّ العريق من الماضي والحاضر، وإلى الصّمود والثّبات والتّصميم الحاليّ ستنتصر الشّعوب على الطّغاة وستشرق شمس مستقبلها.

قد يهمّكم أيضا..
featured

جرائم الارهابيين في سوريا

featured

القدس والإسلام

featured

"لا تتركوه وحيدا.."

featured

مواقف حزبنا الشيوعي في امتحان التاريخ..

featured

لاستعادة الدور المصري للصدارة

featured

نظرة على ما يجري في عالمنا العربي اليوم

featured

الفرمان السلطاني الامريكي