حـكـايـة كـفـاح ونـجـاح: الأستاذ يـوسـف فـايـز الـحـاجّ

single

(22.7.1958 – 6.5.2011)


[رغم ما ينطوي عليه الموقف من صعوبة ومشقّة، كان لا بدّ من إلقاء هذه الكلمة في السابع من أيّار، في كنيسة مار جريس للروم الأرثوذوكس في عبلّين، وذلك أمام جثمان العزيز الغالي يوسف فايز الحاجّ الذي لا أذكر أنّه سبّب لي ضيقًا يومًا ما إلاّ حين "قرّر" أن يحرمنا منه هو، فكان أن اختارت له الأقدار أن ينسلّ منّا في السادس من أيّار الجاري. ومن المصادفات الغريبة أنّ تلميذنا الحبيب الشهيد أسيل حسن عاصلة (وكان من تلامذة الأستاذ يوسف) وُلد في مثل ذاك اليوم: في السادس من أيّار عام 1983، والأغرب أنّ العزيزة ناردين حسن عاصلة، زوجة العزيز أيمن عودة، قد أنجبت طفلها الثاني -الذي كانت سلفًا هي وأيمن قد اختارا له اسمَ شقيقها أسيل- أنجبته في اليوم نفسه الذي فيه غادرت روح أبي فايز جسده: السادس من أيّار 2011]

تفانيتَ، يا أبا فايز. تفانيتَ، وما فَنِـيتَ ولن تفنى؛ فالمعلّمُ لا يموت -على حدّ تعبير بعض مُعِـزّيه ممّن يعترفون بجميلِ صنيعِه.
تفانيتَ عطاءً ونشاطًا، فأحبّك مَن نهلوا عِلْمك، وعرفوا قدرَك تمامَ المعرفة. أحببتَ عملَك، فأحبّوك واحترموك، ولا زالوا...
لا زال طلبتُك خرّيجو بيتِك الثاني (ثانويّةِ مار الياس) يَشهدون لك، ويُشيدون بك، ولا يَذْكرونك إلاّ بالخير، بإعزازٍ واعتزازٍ عميقينِ وبمحبّة غامرة. وما ذاك بمستغرَب، فأبو فايز ليس مدرِّسًا فحسب. استثناءٌ. استثناءٌ هو أبو فايز -وكلُّنا شهودٌ ومُحِـبّون-. أبو فايز درْسٌ في البذل والعطاء، وفي العملِ المثابرِ والإخلاصِ والنجاح. أبو فايز حكايةٌ. حكايةُ كفاح ونجاح وعرَق وألَق وتفوُّق؛ حكايةٌ أتمنّى لو يَعرفها أبناءُ العائلات ذات الإمكانيّات المتواضعة ويحفظونها ويفهمونها تمامَ الفهم. حكايةٌ ملخَّصُها أنّ صغر الأجنحة لا يعيق التحليق بعيدًا، وأنّ البذرة في مقدورها أن تغدو شجرة باسقة سخيّة.
رحيلك المزعوم، يا أبا فايز، ليس حدثًا من خلاله نشعر بأهمّـيّةِ مَنْ رَحَل. لا أهمّـيّتُك يُعْوِزُها دليل، ولا منـزلـتُك الرفيعة كذلك. رحيلُك حدثٌ فيه نشعر بالخسارة والمرارة والفراغ. فادحةٌ خسارتنا. عميقةٌ جراحنا عمْقَ محبّتنا لك.
 نبكيك، يا أبا فايز. نبكيك ولا نرثيك. البكاء للأعزّاء والأحبّاء، أمّا الرثاء فللموتى؛ ولستَ منهم. فأنت، يا عزيزنا، أنت ستبقى معنا وفينا. ستبقى مُطِلاًّ علينا. سنراك... سنراك دومًا. سنراك في كثير من الناس، وفي كثيرٍ من التفاصيل. سنراك في أفراد أسرتك الكريمة. سنراك في أصدقائك وصَحْبك وزملائك. سنراك في أبنائك -وهم كُثْر-. سنراك في كلّ خرّيج يطفح قلبُه بالحبّ وفمُه بالكلام فيقول (وكثيرًا ما قيل وسمعنا)، يقول بكلّ ما فيه من صدق وثقة: "في الجامعة، خلال سير المحاضرات والامتحانات، كنت أشعر أنّي ممتلئٌ معرفةً في الموضوع الفلانيّ وفي الموضوع كذا، ممتلئٌ أكثرَ مِـن سواي من زملائي الطلبة، العرب واليهود على حدّ سواء. عندها كان تقديري للأستاذ يوسف ولفلان وفلان من الأساتذة الأجلاّء يتعمّق ويتعملق". 
يا أبا فايز، فائزون نحن وخاسرون. بوجودك معنا، فُزنا. فُزنا بك، إذ ربحنا أعوامًا وأعوامًا من العمل الدؤوب، والجودِ غير المحدود، والزمالةِ المُحِبّة، والصداقةِ الصادقة الحقّة النقيّة. وبرحيلك، برحيلك سنخسر كلَّ هذا الكثير، وأكثر. لله، كيف استحال الفوز فقدانًا وخسرانًا؟!
أيّتها الأخوات، أيّها الإخوة، أيّها المعَزّون الكرام، باسْم أمّ فايز ونجلِها وكريماتها، باسْم أخواتِهِ، باسْم عموم آل الفقيد، باسْم آل الحاجّ وآل خوري، باسْم بيته الثاني (ثانويّةِ مار الياس -طلاّبًا ومعلّمين وإدارةً ورئاسةً)، وباسْم مدرسة دنّون الشاملة... باسْمهم جميعًا، نتقدّمُ إليكم بعميق الشكر ووفير الامتنان. حضوركم عزاء ووفاء. عزاءٌ لنا، ووفاءٌ لراحل ما رحل ولن يرحلَ. للأستاذ يوسف رحماتُ الباري وجنّاتُه، ولكم ندعو بطول البقاء وعيشِ الهناء.
تباركت الحياة...

 

7.5.2011

قد يهمّكم أيضا..
featured

سيناريو قمعي مبيّت

featured

المناضل ضد الانجليز عبد الحليم الجيلاني (1908م-1993م)

featured

الدولة كأداة للسيادة الطبقية

featured

وحشية أمريكية متأصّلة بنظامها

featured

ديكتاتور ليوم واحد فقط