من غريب عادات البشر انهم يحبون اقتناء كل جديد، ان وسعهم ذلك، ويرغبون بتجربة كل ما يثير استطلاعهم ان دروا. فما ان نسمع عن فاكهة جديدة حتى نسارع الى تذوقها إن سمحت الحال، وكغيري من معشر البشر، أثارت فضولي موضة الديكتاتورية، ما مذاقها؟ ما لونها؟ وأي نشوة تسري في الجسم عند تعاطيها؟
وباختصار غير شديد، قررت أن أتعاطى الديكتاتورية، أشمها، أعيشها وليكن ما يكون. لكن، مَن تلك المجموعة البشرية التي سترضى أن تنصّبني ديكتاتورا عليها وتكون لعبة لتجاربي ورغباتي وفضولي؟
"أيها الشعب! إن زمن الحرب يحتاج رجالا كزمن السلم، وزمن الجوع يحتاج عظاما كزمن الشبع، ومن هنا، من المطبخ عاصمة بيتنا الخالدة، أعلن عن حالة طوارئ بسبب الظروف التي يمر بها شعب بيتنا المقاوم للاستعمار، إن أعداءنا المحيطين بنا من دولة أبي غضنفر إلى مملكة آل غضبان يهددون أمن دولة بيتنا، ومن هنا لا بد من يد حديدية تمسك عنان دباباتنا، ولا بد من أنظمة تتماشى مع المرحلة". هكذا افتتحت خطابي في اجتماع حاشد ضم زوجتي وأولادي وبناتي دون أي ضخٍ إعلامي، ولا حاجة للقارئ بالنص الكامل للخطاب، المهم، لم يصفق أحد، حتى حين كنت ارفع الصوت وأتوقف فجأة لابتزاز تصفيق، ظل الجميع يحملقون بي مكتوفي الأيدي، حتى زوجتي التي تجامل كل الناس وتصفق حتى تهترئ منها الايدي والاكتاف، لم تجاملني ولو بتصفيقة واحدة! وفي الحقيقة منذ تلك اللحظة بدأت أفقد ثقتي أنا الديكتاتور بهذا الشعب.
في أول صباح من يومي الأول كديكتاتور لدولة بيتى، أفاق أولادي وبناتي من النوم على صوري التي تغطي كل الحيطان وفي كل الغرف، لا شهادات تخريج، لا صور ممثلين وممثلات، لا شيء على الحائط إلا أنا، ولا بد من ذلك حتى أتيح لشعبي التمتع بتسريحة شعري، بابتسامتي، وبإعطائه كامل الحرية للتغني بأوصافي التي لم يُخلق مثلها في العباد، وفي غرفة نومي التي علقت على جدارها الشمالي صورة زفافي، أفاقت امرأتي على غيابها من المشهد، فهل من العدل أن أحرم حرمي من تركيز حواسها في هذا الزوج الديكتاتور الذي بلغت سطوته كل غرف البيت، من الصالون إلى الحمام!!
أجلست الشعب على مائدة صباحية. زيت وخبز وملح، كان فطورهم الأول في عصرهم الجديد، وأمامي خبز وجبنة وبعض العسل وخضار تغيظ العدى، وزيت سمك يحفظ للديكتاتور أنا تماسكا في اللحظات العصيبة التي يمر بها شعبي أنا. وبما أن الحكمة مطلوبة في حالات الحكم الحكيم، ناولت زوجتي قطعة جبنة إكرامية مني أنا، فقد رأيتها تهرّب قطعة الجبنة إلى ابنها الأكبر الذي سيذهب إلى العمل، وأصارحكم بأنني رأيت بهذه العملية بداية تآمر ضد سلطتي، والأنكى من ذلك ان ابنها مرر قطعة الجبنة اياها والتي تكرمت بها الى أخته الصغرى، وفي الحقيقة، بدأت وبذكاء أستشعر أن شعبي يحتاج إلى تثقيف، ويحتاج الى "نقلة نوعية في ادراك متطلبات المرحلة"، وبدون أي ضخ إعلامي، فوجئ شعبي بالطريقة التي أعدت قطعة الجبنة إلى صحني، وصار كل فرد ينظر إلى الآخر، وكأنهم يسألون بعضهم، من اعاد قطعة الجبنة إلى صحني، وكانت زوجتي أول من أداروا ظهورهم لها، وهذا بالضبط ما كنت أود أن أبلغه، أن أسرق منهم حب أمهم حتى يتعلقوا بسيادتي اللا منقوصة.
وقبل أن يشاهد ابني أباه الديكتاتور واقفا على عتبة البيت، كانت صورتي تطل عليه من بعيد بحجم يغطي وجه البيت كله، ورأيته يمشي متحاشيا النظر إلى صورتي، قلت: يا لَهَيبتي العظيمة التي ضيعت لذة نعيمها! يا لعظمتي! أأنا ديكتاتور! أأنا بهذه العظمة!! لكن ولدي دخل البيت ولم يقل لي كلمة واحدة، وسجلت عندي بأن هذا العاق يجب أن يُعاقب أمام كل شعب بيته، وعادت الطفلة المدللة التي أحبها أنا الديكتاتور، وهي تآمرت مع اخوتها وأمها على شرعيتي، ولم تلتفت إلي، لكنها قالت متمتمة: " يا جوعانة وين أبوك؟" وبالطبع، فهمت أن هناك مؤامرات تُحاك ضدي من الجيران، وأن الأمر يحتاج الى تثقيف الشعب وتحصينه من المؤامرات المغرضة التي يقلقها مقاومتي لتهريب الحرية والعدالة والاشتراكية والديمقراطية.
ومع ساعات العصر أو بعدها بقليل، كان الشعب قد عاد إلى غرفه وجدرانه وصوري، وكل مواطن شغل تلفزيونه، كل المحطات كانت تبث صوري وخطابي، لا شيء على التلفاز غير أنا، بحثوا عن أغنية في أي إذاعة تريحهم، كل الإذاعات تبث أغانيَ عن بطولاتي، وعند العشاء انتظرت الجميع، كنت قد أحسست بأنني أثقلت على أبنائي، وأحسست أن لعبتي الصغيرة مع أولادي قد انتهت، لم أثقل عليهم كثيرا، ولم أبالغ في الحماقة معهم، كل الحكاية أنني أردت تربيتهم على مأساة الرضوخ للديكتاتورية، ولكنهم حين اجتمعنا على العشاء، وعلى مائدة أطايب الطعام، ومناديل مسح الأيادي وابتسامات شاسعة مني، وقلت: أبنائي الأعزاء! وجاء الرد، لسنا أعزاء بل أذلاء عندك! وحاولت بكل بلاغة اللسان إقناع أهل بيتي بأنني حاولت فهم شعور شعب تحت حكم ديكتاتور، وأن التجربة كانت ليوم واحد فقط، وأنني لم أبالغ في القمع، وكل ما فعلته كان باستطاعة كل فرد تحمله، وأنا احبكم يا أولادي وأحبك يا زوجتي! اغفروا لي هذه التجربة التعيسة ليوم واحد! أنا والله أردت فقط أن أجرب، وجاء الجواب: ارحل عنا!
قلت: ستجوعون!
قالوا: ما ألذ الجوع مع الحرية!
قلت: من سيدافع عنكم؟
قالوا: أنت تحرمنا من الدفاع عن أنفسنا
والحقيقة انني لم أقرر بعد طريقة التعامل مع شعبي، الطريقة الأسدية في دمشق تقول، اقتل أهلك جميعا، وهناك طرق أخرى للقمع، لكنني لماذا لا أقلد بشار الأسد؟ أليس هو بطل المقاومة والممانعة رغم الضخ الاعلامي ضده؟ أليس الشعب السوري هو الخائن وبشار الأسد هو الوطني الوحيد؟
وليس بشار هو الوطني الوحيد، القذافي وطني وديكتاتور، وعلي عبد الله صالح ديكتاتور، وكل أنظمة العرب على ذات الشاكلة؟ فلماذا يصفق المواطنون العرب عشرات السنين لديكتاتوريات أبدية، ويثور أبنائي علي بسبب ديكتاتوريتي ليوم واحد فقط!!!!
