- استحضار ذكريات الطفولة في بداية العلاج النفسي يلقي الضوء على الحالة النفسية الحالية ويعطيها معنى، الأمر الذي يريح الشخص بعدما عانى لمدة طويلة من حالة نفسية لم يفهمها ولم يجد لها تفسيرا في ظروف حياته الحاضرة
القدرة على التذكر هي التي تمكننا أن نعيش حياتنا في تواصل بين الماضي والحاضر. بدونها ليس أننا نفقد الصلة مع الماضي بل لا نستطيع القيام بأي شيء ذي معنى في الحاضر. فلا نعرف كيف نتوجه للحمّام ونغسل وجهنا في الصباح ولا أن نعد قهوة ولا أن نتوجه للعمل. بدونها لا نعرف قيادة سيارة أو الأماكن والناس من حولنا وحتى لا نعرف اسمنا.
- الذكريات ليست توثيقا فوتوغرافيا للماضي بل نتاجا إبداعيا:
يعتقد الكثيرون بأن الذكريات هي توثيق موضوعي لتجارب الماضي إلا أنها غير ذلك تماما. الذكريات هي تجميع انتقائي لبعض تجارب الماضي بل هي نتاج مصنّع من جديد يتخلله كثير من الحذف والإضافات والتشويهات التي لا تمتّ لتجارب الماضي بصلة بل تتعلق بحالة صاحبها النفسية. إنها عمل إبداعي يقوم به دماغنا بحسب ما يرتئيه مستعملا التجربة الحقيقية في الماضي كمواد خام لصناعة هذا العمل الإبداعي الذي نعتقده خطأ بأنه موضوعي.
أثناء سماع الماضي، الذي عاشته أسرة ما من قبل أفرادها نجد تطابقا معينا في الحكاية أو السرد ونجد الكثير من الاختلاف والتناقض بين الحكايات أيضا خاصة حين يكون أفراد الأسرة على خلاف فيما بينهم. الحكاية التي يتلوها الزوج عن زيارة أهله الأولى لهما بعد الزواج، تختلف عن الحكاية التي تتلوها الزوجة عن نفس الزيارة. ربما يقول الزوج ان أهله يزورونهم في أوقات متباعدة ليطمئنوا عليهما، بينما تقول الزوجة انهم يكثرون من الزيارات ولا يتيحون لهما حيزا من الخصوصية. وحين يتحدث الأولاد والبنات عن حياتهم في نفس الأسرة نجد كلا منهم يتذكر بشكل انتقائي أحداثا مختلفة، وحين يصفون نفس الحدث يصفونه بشكل مختلف تماما. فالأخت تصف عيد ميلاد أخيها بشكل مختلف عن وصفه هو لعيد ميلاده، وأخت أخرى تصف مشادة كلامية بين الوالدين بشكل تتعاطف فيها مع أبيها المغلوب على أمره بينما يتعاطف الأخ مع أمه التي يتذكرها تتحمل ظلم أبيه الظالم.
- أبحاث علمية على تشويه الذاكرة
هناك أبحاث علمية عن الذاكرة تثبت أنه بالإمكان زرع ذكرى في عقول الناس وخاصة الأطفال. في بعض هذه التجارب مثلا طُلب من الوالدين أن يرووا لابنهم البالغ من العمر 5 سنوات مثلا أنه ضاع مرة من بين أيديهما في مجمّع تجاري، وأنه بعد زمن عاد باكيا برفقة رجل ما. بالرغم من أن هذه القصة مختلقة إلا أن الطفل يصدقها بل حين يسأل عن تلك الواقعة، يصفها بدقة بل يضيف إليها تفاصيل لم ترد في السرد الأصلي المختلق الذي سمعه من والديه. فهو يصف الناس الذين رآهم أثناء بحثه عن والديه ويصف تفاصيل الرجل الذي أعاده بأن له شاربين ويرتدي قميصا أزرق مثلا وغيرها من التفاصيل التي أضافها من خياله لإكمال الصورة في ذهنه.
دماغ الإنسان يخلط بين المعلومات التي يتلقاها من مصادر مختلفة ويكوّن صورة ذاتية يعتقدها مطابقة لما حدث. ففي أبحاث أجريت على بالغين مثلا، تم عرض فيلم قصير يصف عملية سطو يقتحم فيها السارق البيت ويسرق منه مجوهرات. بعد مشاهدة الفيلم تلا الباحث على مسامع المشاهد سردا كلاميا يصف فيه نفس عملية السطو، إلا أن بعض تفاصيل السرد الكلامي تختلف عن مشاهد الفيلم. فإذا كان مشهد الفيلم يبين أن السارق كسر زجاج الشباك بواسطة عصا مثلا، يأتي في السرد الكلامي أنه كسر الزجاج بحجر. وإذا كان المشهد يبين أنه سرق قلادة ذهبية، يصف السرد أنه سرق قلادة فضية وهكذا. بعد مشاهدة الفيلم وبعد سماع السرد الكلامي لحادث السطو يجري فحص ما تذكره المشاهد مما رآه في الفيلم، ويتم التشديد أن الإجابات يجب أن تعتمد على الفيلم وليس على السرد، عندها يتبين أن نحو ثـُلث إجابات المشاهدين تكون خاطئة ومعتمدة على السرد الكلامي الذي لا يطابق ما شاهدوه بينما وهم متأكدون أنهم شاهدوا هذه التفاصيل في الفيلم. لكل واحد منا ذكريات طفولة مبكرة يصعب تحديد مصدرها ومدى اعتمادها على تجربتنا الحقيقية أو على تكرار سرد هذه الذكرى على مدار السنين بصيَغ مختلفة من قبل أفراد العائلة.
- إشكالية الذكريات والأدلة في الجهاز القضائي
إذًا فالذكريات هي نتاج إبداعي يتأثر بالآخرين من جهة وأيضا بخيالنا وأمنياتنا ومخاوفنا وهذا ما يثير جدلا حادا في الساحة القضائية التي تعتمد في حكمها على شهادات المدعي والمدعى عليه وبقية الشهود الذين حتى لو فرضنا أنهم لم يحاولوا عمدا تضليل المحكمة، إلا أن شهاداتهم تبقى شهادات متأثرة بشكل غير واع بعوامل نفسية وبيئية كثيرة. هناك نقاش حاد بين العاملين في مجال التنكيل الجنسي حول مصداقية الذاكرة، فمنهم من يعتبر شهادة الضحية توثيقا للحقيقة ومنهم، وبينهم عالم النفس فرويد وآخرون وطبعا محامي المعتدي، يعتبرون هذه الشهادة مشوهة و"ملوثة" بعوامل نفسية وبيئية لذلك، حسب رأيهم، لا يمكن اعتبارها وصفا أو دليلا لما جرى بالفعل. لذلك، في مثل هذه القضايا تكون للأدلة الموضوعية كالصور أو فحص ال DNA القول الفصل في هذا النقاش.
النظريات الحديثة لفهم التاريخ أيضا تعترف بأن توثيق التاريخ هو أيضا صناعة إبداعية، حتى لو اعتمد على أدلة موضوعية كالوثائق والآثار. لأن هذا التوثيق عادة يتأثر بالمصالح السياسية والأيديولوجيات السياسية التي تحدد كيفية التعامل مع هذه الأدلة. إشكالية توثيق الحقائق التاريخية لا تقتصر فقط على التاريخ البعيد بل تصل أيضا للأحداث المعاصرة. حين يقع حدث ما في بلد ما، وبالرغم من وجود كاميرات وكالات الأنباء وإمكانية نقل الحدث بشكل مباشر للجميع، نرى كيف تتم صناعة روايات متضاربة يعتبرها كل طرف توثيقا موضوعيا للحدث ويستغرب التشويه الذي يقوم به الطرف الآخر.
- الذكريات تدل على الوضع النفسي في الحاضر أكثر من الماضي
من الصعب تحديد تجارب الماضي التي يمكن أن تُخزن أو أن تنسى. التجارب العادية وغير الهامة تكون عادة عرضة للنسيان، لكن في كثير من الأحيان تكون التجارب الهامة والصادمة عرضة للنسيان أيضا، وهذا ما يحدث مع كثير ممن تعرضوا لتنكيل أو لصدمات في طفولتهم. إن محصلة ما نتذكره تتأثر بعدة عوامل منها طبيعة الحدث وكذلك معناه بالنسبة لنا وعلاقته بدوافعنا وحاجاتنا ومصالحنا من جهة وبدرجة القلق الذي يثيره وقدرتنا على تحمل هذه الذكريات من جهة أخرى. من هنا فمحصلة ما نتذكره يتعلق بحالتنا النفسية وشخصيتنا في الحاضر أكثر مما يتعلق بأحداث الماضي. إننا نصوغ ذكرياتنا، ننتقي ونقتطع من الأحداث ونضيف عليها مضامين جديدة، بشكل يتناسب مع حالتنا النفسية وحياتنا في الحاضر. لهذا فتحليل الذكريات يعتبر مصدرا هاما لتحليل نفسية الإنسان في الحاضر ولفهم الاعراض النفسية التي يعاني منها، بغض النظر عن صحتها أو عدم صحتها.
حين أقابل أناسا توجهوا لعلاج في عيادتي وأطلب منهم سرد بعض الذكريات، ألاحظ أن الذكريات التي يستحضرونها تكون انتقائية، تتلاءم مع حالتهم النفسية وشخصيتهم. فمن يشعر بالنقص والاكتئاب يستحضر ذكريات تتضمن الكثير من الفشل والتنكيل الكلامي والعاطفي، ومن يتمتع بثقة بنفسه يستحضر ذكريات من نوع آخر فيها الكثير مما يفخر به. في كلتا الحالتين تـُستحضر ذكريات مُنتقاة ولا تمثل بشكل موضوعي كل تجارب الماضي لكل منهما. أثناء العلاج يتبين أن لدى الأول الكثير من الذكريات التي يستطيع أن يفخر بها إلا أنها خرجت من دائرة إدراكه ووعيه، وكذلك لدى الثاني ذكريات كثيرة فيها فشل وتنكيل لكنها هي الأخرى خرجت من دائرة وعيه.
من هنا فاستحضار ذكريات الطفولة في بداية العلاج النفسي يلقي الضوء على الحالة النفسية الحالية ويعطيها معنى، الأمر الذي يريح الشخص بعدما عانى لمدة طويلة من حالة نفسية لم يفهمها ولم يجد لها تفسيرا في ظروف حياته الحاضرة. وحين تطفو على السطح أثناء العلاج ذكريات من نوع آخر، كانت غائبة عن الوعي وتبدأ بالاندماج في مجمل الذكريات المستحضرة فتتكون في ذهن الشخص حكاية جديدة عن نفسه وعن حياته وبالتالي يتحسن وضعه النفسي ويبدأ التعامل مع نفسه ومع واقعه بشكل جديد. هذا ما يحصل في معظم العلاجات النفسية: يبدأ العلاج بقصة معينة وينتهي بقصة أخرى.
(في الجزء الثاني من المقال سيتم شرح استعمال الذكريات في العلاج النفسي خاصة في حالات الصدمات النفسية)
