لقد كانت تلك المرحلة مرحلة انطلاق وروح وثابة لدى الشبيبة الشيوعية، وهذا كان الشيء المميز والاساسي للرفاق اعضاء الشبيبة الشيوعية في نشاطها اليومي الذي كانت تقوم به في مختلف مجال النشاطات بين الشباب في تلك المرحلة، وفي تلك الفترة ايضا جرى تكثيف للنشاط الرياضي للشبيبة الشيوعية حيث ازدادت الفرق الرياضية في فروع الشبيبة. وكانت تجري مباريات دورية فيما بينها وفي الوقت نفسه كانت هذه الفرق تمد فرق هبوعيل المحلية في قرانا باللاعبين الجيدين، ومنهم من اصبح من اللاعبين على المستوى الرياضي القطري.
في سنة 1970 كان هناك حدثا تاريخيا هاما في حياة حزبنا الشيوعي حيث اقيم احتفالا كبيرا في سينما "ايلات" في مدينة يافا بمناسبة اليوبيل الخمسين لتأسيس حزبنا الشيوعي في هذه البلاد بتاريخ 28/3/1970 وكان قد افتتح هذا الاحتفال التاريخي الرفيق توفيق طوبي بتحية خاصة الى جميع المشتركين في هذا الاحتفال وجميع اعضاء الحزب القدامى والجدد وكذلك اصدقاء الحزب وفي كلمته ايضا استنكر بشدة سياسة حكام اسرائيل المعادية للدمقراطية والمعادية للشيوعية والتي نتيجة لمثل هذه السياسة العمياء والعنصرية ادت الى منع عددا كبيرا من قيادة الحزب ونشيطيه واعضائه وكذلك بعض اصدقائه من الاشتراك في هذا الاجتماع الاحتفالي الهام، وكانت قد رفضت اعطاء تصاريخ خروج من مدتهم وقراهم لجميع الرفاق المفروض عليهم الاقامات الجبرية حسب انظمة الطوارئ البريطانية وكان من بينهم عدد من اعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية من امثال اميل توما وتوفيق زياد، وكذلك اعضاء لجان المناطق الحزبية في الوسط العربي، وكنت كذلك واحدا من بين هؤلاء الرفاق الذين لم يحظوا في المشاركة في مثل هذا الاحتفال اليوبيلي والتاريخي الهام.
لقد قدم الرفيق ماير فلنر في هذا الاحتفال محاضرة تاريخية واسعة استعرض فيها تاريخ الحزب الشيوعي ونضالاته منذ تأسيسه في سنة 1919 حتى تلك المرحلة، وكيف عمل هذا الحزب بمختلف الظروف الصعبة منذ تأسيسه وبشكل خاص عن الفترة التي عمل بها الحزب بشكل سري على مدى اكثر من عشرين عاما، عندما منعت سلطات الانتداب البريطانية علنية الحزب الشيوعي في هذه البلاد، نتيجة لدوره الهام في فضحه لسياسة الاستعمار البريطاني المعادية للشعبين العربي والاسرائيلي. وكذلك استعرض الصراع مع الاحزاب الصهيونية في هذه البلاد منذ تأسيسه حتى يومنا هذا وكذلك استعرض الرفيق الصراعات الداخلية التي كانت تجري داخل الحزب وكيف كان دائما الغلبة للموقف الاممي الصحيح والصادق على المواقف الانتهازية والقومية الضيقة، وأتوجه للرفاق الشباب ان يطلعوا اكثر على تاريخ الحزب المشرف وان يقرأوا ويدرسوا مثل هذه المحاضرة الهامة والتي اصدرها الحزب في تلك الفترة بكراس تحت عنوان "خمسون سنة للحزب الشيوعي في البلاد" ومما لا شك فيه انها محاصرة قيمة وهامة جدا لأنها استعراض لنضال وكفاح هذا الحزب العريق على مدى نصف قرن من الزمن.
في ايلول من عام 1970 وقعت مذابح ايلول الاسود في الاردن وخلالها نجحت الطغمة الملكية في الاردن من القضاء على وجود المنظمات الفلسطينية المسلحة داخل الاردن بأشرس اساليب القمع العسكري. وخلال هذه الازمة التي سميت "بأيلول الاسود" كان عبد الناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة يقوم بجهود جبارة من اجل وقف هذه المذبحة الرهيبة التي ترتكب بحق الشعب العربي الفلسطيني داخل الاردن وانقاذ هذا الشعب من جور الاخوة. وخلال هذا العمل المتواصل وهو يستقبل ويودع الوفود العربية من اجل وقف حمام الدم، واذا بسماع خبرا مفجعا في آخر ايلول من تلك السنة الذي هز العالم العربي والجماهير العربية في هذه البلاد وكل قوى السلام والحرية في العالم اجمع هو وفاة هذا الزعيم العربي الخالد جمال عبد الناصر الذي توفي نتيجة لسكتة قلبية كما ادعت السلطات المصرية في ذلك الوقت. لقد توقف قلب هذا الزعيم الوطني الخالد عن الخفقان وهو يقوم بواجب مقدس بالنسبة له ولكل قوى التقدم والحرية في العالم العربي والعالم أجمع وهو انقاذ الشعب العربي الفلسطيني المقيم في الاردن والذي تعرض لمذبحه بشعة بحقه من قبل حكام الأردن.
ان الجماهير في مختلف الاقطار العربية عندما سمعت هذا النبأ المفجع خرجت بمواكب جبارة حزنا على هذا القائد الوطني الخالد وكذلك في مختلف اقطار العالم خرجت الجماهير المحبة للسلام بتظاهرات احياء واحتراما لهذا الانسان، وكذلك هنا في اسرائيل في مختلف المدن والقرى العربية خرجت الجماهير الى الشوارع بالرغم من المحاولات الاستفزازية التي حاولت ان تقوم بها اجهزة السلطات الاسرائيلية في ذلك الوقت من اجل منع او عرقلة مثل هذه المسيرات ولكن الجماهير كانت قد تخطت مرحلة الخوف واليأس وانتقلت بشكل واعي ومسؤول الى مرحلة المجابهة من اجل التعبير عن موقفها الواضح. ففي عرابة البطوف وبمبادرة من اعضاء الحزب والشبيبة الشيوعية والاصدقاء كانت قد خرجت مسيرة جبارة من مسجد القرية القديم وطافت شوارع القرية وهي تحمل نعشا رمزيا مكللا بالسواد وسارت بشكل صامت وهكذا كان في الاكثرية المطلقة من مدننا وقرانا العربية في هذه البلاد، وبشكل خاص في مدينة الناصرة عاصمة الجماهير العربية.
في الواقع ان الملايين بل حتى عشرات الملايين في العالم العربي ومختلف انحاء العالم كانت قد خرجت للشوارع من اجل تشييع جثمان هذا الراحل العظيم والزعيم الخالد جمال عبد الناصر، هذا الزعيم الذي أعاد لمصر وللعالم العربي هيبته وكرامته التي كانت مهدورة. وكذلك اعاد لمصر دورها التاريخي، ووضع الجميع في مركز الاحداث وأخذ دورهم الطبيعي على الخارطة السياسية في العالم أجمع.
ان مواكب التشييع هذه التي انطلقت في العالم والعالم العربي لم تشهد على مدى التاريخ كله نظيرا لها، وفي الوقت نفسه قل ان عرف العالم شبيها لهذا التشييع المهيب، خاصة وانه كان قد فرض احترامه وتقديره على كل الشعوب المحبة للسلام والحرية لأنه في الواقع كان رجل سلام، ونتيجة ايضا لمواقفه المثابرة والمبدئية في المعركة من اجل التحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي من نير الاستعمار واعوانه في مختلف اقطار العالم ونتيجة لمثل هذه المواقف الشجاعة عمل الاستعمار وعملائه في العالم من اجل التخلص منه ومن امثاله ومن الفكر الذي يحمله لأنه كان خطرا عليهم وكانوا قد نصبوا له عدة كمائن ومؤامرات منذ بروز نجمه في اوائل الخمسينيات من القرن الماضي حتى وفاته من اجل التخلص منه وعلى اساس هذا الواقع وهذه المواقف النضالية والانسانية الشجاعة اكتسب مثل هذا الاحترام والتقدير الخاص في العالم كله.
مما لا شك فيه ان لأعضاء الحزب والشبيبة الشيوعية كان لهم دورا خاصا ومميزا في اقامة مثل هذه المسيرات الجنائزية في مختلف مدننا وقرانا العربية في هذه البلاد احياء لذكرى هذا القائد الوطني الخالد. ولذلك لم يكن صدفة ان عددا من رفاق الشبيبة اعتقلوا وحوكموا في ذلك الوقت نتيجة لدورهم هذا.
بعد رحيل جمال عبد الناصر كان قد تولى السلطة من بعده نائبه في ذلك الوقت محمد انور السادات الذي اخذ زمام الامور في مصر وبدأ بالحديث على انه هو المكمل لطريق عبد الناصر وان هذا الطريق هو الطريق الوحيد الذي يمكن مواجهة العدوان والقوى الاستعمارية العالمية. ولكنه في الواقع منذ ان استلم السلطة اتخذ له برنامجا واضحا وفي اساسه تعزيز سلطته على البلاد وفتح ابواب جديدة من اجل مغازلة الاستعمار الامريكي ولكن بذكاء كبير حتى لا يكشف توجهه الجديد هذا وبناء على هذا التخطيط، قام بعملية تطهير واسعة جدا في جهاز السلطة والتنظيم السياسي في مصر وهذه العملية شملت في ذلك الوقت في اواسط ايار من سنة 1971 ستة وزراء وثلاثة من قيادة اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي ومن بينهم كان علي صبري الذي كان نائبا لرئيس الجمهورية ومحمد فوزي الذي شغل منصب وزير الحربية والسكرتير العام للاتحاد الاشتراكي ضياء الدين داود ووزير الداخلية شعراوي جمعة وغيرهم من القادة البارزين والذين وضعوا في السجن فيما بعد لفترة طويلة وكل هذا من اجل ان يكون مطلق الحرية في التصرف، خاصة وان هؤلاء كان عبد الناصر قد اختارهم لهذه المهامات المسؤولة لأنهم معروفون ايضا بمواقفهم المثابرة ضد الاستعمار والرجعية ومن اجل تمتين العلاقة مع الاتحاد السوفييتي خاصة وان عبد الناصر قد عمل مع هؤلاء من اجل استعادة قوة الجيش المصري واعادة تنظيمه من اجل استعادة الاراضي المحتلة وفي الحقيقة ان هذه المهمة كانت قد انجزت بشكل جيد قبل رحيل جمال عبد الناصر. ولذلك لم يكن صدفة ان يعلن السادات في خطاب له ان سنة 1971 هي سنة حسم بالنسبة لازالة آثار العدوان كما سميت في ذلك الوقت أي بعد عدة أشهر فقط من استلامه السلطة. لأنه في الواقع كان لجمال عبد الناصر الدور الاساسي في اعادة تنظيم وتجهيز الجيش المصري من اجل معركة استرداد الاراضي العربية المحتلة.
