"روحية ادريس"

single
قالوا لي إن الحاجة روحية كانت شعبية...كالقهوة والخبز .. مع ابناء بلدها وحارتها ومحيطها وكان الناس يستلطفون الجلوس معها.. لطراوة لسانها ورقة اهتمامها وسؤالها عن الحال والأحوال. ودائما كنت اصمم ان اخرج من مهابة الصمت العقيمة حينما الجميع في صمت يتذكرون حادثة جليلة.. بسيل اسئلتي مصرا على بذل الجهد لتجميع نتف الحكايات التي تناهت الى مسامعهم خلال السنين الماضية ... مكتشفا لدهشتي .. ان ذاكرة الناس البسطاء العاديين تعج بمسارات كاملة.. انما بصورة متعرجة.. ذاكرة اصيلة تميز الغث من السمين وتوضح جهالة السياسيين الذين يتهمونها انها قصيرة هذه الذاكرة مع انها اطول واخلد من الاهرامات وسور الصين. وان السبيل المتاح امامي كان لتجميع اكبر المعلومات والحكايات عن روحية ادريس هو استنطاق الاحياء لان استنطاق الاموات لم يعد يجدي نفعا ولأنهم لم يتركوا لنا شهادات وأصواتا في خزائنهم...  وقررت لقاء ابنها عاطف ادريس (ابو محمد) الذي بادرني اول ما بادرني في حديثه انه دائما يحمد  ايام زمان ايام الاكتفاء الذاتي قبل قدوم اسرائيل الينا في نشاط وحيوية الناس في افتلاح الاراضي وزراعتها وتربية المواشي من البقر والماعز والغنم، من اجل حليبها ولبنها واجبانها والحمير والخيل للمواصلات في تلك الفترة. ولكن ما نغَّص علينا هدأة البال غير الاحتلال الجديد. وأكمل "اسمعنا الطخ بلش من تلا شفاعمرو الناس خافت وأنا وعيت فترة هروبنا كان عمري بين 6-7 سنين هربنا للشرق لـ"سيرة العجال" وعلى "الزعترية" ووصلنا "الضميدة" عند دار ابو ضعوف اللي استضافونا واستضافوا اهل بلدنا عبلين وأهالي  بلاد اخرى عندهم. وبعد سقوط عبلين وهديت وركزت الامور تشاوروا عقال البلد وعلى رأسهم عزات التوفيق ناصر داود وآخرون. كما اذكر قالوا وقرروا سنبعث نصرات العزيز ركبوه على فرس وربطوا حطة بيضا على عصاي يعني علم ابيض اشارة استسلام. وتوجه نحو البلد ولاقى ضباط الجيش في مركزهم عند دار ناصر داود وقسم عند دار النشوبي (نشاشبي). وبلغهم انو احنا بدنا نرجع عبيوتنا ووافقوا اليهود ورجعت اهل البلد بعد جمعة زمان نادى الناطور وكان اسمه طلال النجمي انو يا اهل البلد الحاضر يعلم الغايب انوا ارجعوا عالبلد. وكما قال الختيريه اجتمعت اهل البلد واستلمها الخطيب والغضيب والشيخ علي والخوري ابراهيم. بعدها اعتقلوا حوالي 90 شابا من خيرة شباب البلد كي يثبتوا ان البلد قاومت وهادول اسرى حرب، ولم يكن مقاومة وأنا وعيت هاي الاحداث وكان عمري قريب الـ 7 سنين".
يتابع: "ولما اعتقلوهم كنا بالصف الاول ومعلمنا كان الاستاذ ايليا السعيد ابو فؤاد السعيد سرحنا من المدرسة وقلنا روحوا. ومن المعتقلين والدي محمد ادريس (اعتقل حوالي سنة وأربعة اشهر قضاها في سجن عتليت وصرفند) ويوسف حبيب ورجا العيس السكران وتركي الحاج وديب خشان وعزيز الدعيم وحنا الدحا وناصر ندي وحسن عوالي وآخرين، تقريبا من جميع عائلات البلد. طبعا بعد اعتقال ابوي عشت انا وأمي وأخوتي وستي الوالدة الله يرحمها روحية كانت شاطرة وفهدة وزكية يوم اجت وقالتلي يا يما شامة ريحة زيارة للمساجين وتعال تنكتب مكتوب  لأبوك ونحطلوا فيو  كم رطل دخان وكم دفتر سجاير. قلتلها يا يما انا ابن صف اول  ما بعرف اكتب مكتوب قالت لي انا بنقلك وأنت اكتب وكتبنا المكتوب ولا اذكر ما كتبت (يقولها بحرقة) وبعد مدة رد على مكتوبنا اللي احتفظت فيو لليوم والي مجمل تلخيصو (وقال لي انه يحفظ المكتوب عن غيب) تحية الجيران والأهل وبحكي عن حالو وفيو اشعار جميلة وبذكر اسماء المساجين اللي افرج عنهم وطبعا افرج عن المعتقلين وكانت اهل البلد تستقبلهم بالفرح والسرور  وبالآخر اوصى علينا انا واخوي المأمون للعم حسين ادريس" وصمت مع حنين صادق وكبير لأبيه محمد وأمه روحية . وأردف قائلا مصمما انشاد ابيات الشعر من الرسالة والتي يحفظها غيبا وانشد :
"كتبت اليك يا زين الملاح  على ورق يطير مع الرياح
كتبت اليك والعبرات تجري ودمع العين على الخدين ساح
ولو اني اطير لأطير شوقا وكيف يطير مقصوص الجناح"
بعد الافراج عن الوالد من السجن (سجن عتليت) اذكر انه لم يكن عندنا طحين للخبز في البيت . فأرسلني الوالد الى صديق له كان معه في المعتقل من كفرمندا اسمه "خضر المبدا " ابو شكيب من آل عبد الحليم وأعطاني رسالة له وسوقني الوالد بهيمة وحبل (وأنا بجيل 8 سنين) لأحمل شوال الطحين واذكر انني سافرت لكفر مندا بعد ان استهديت على بيته فسلمت الرسالة من الوالد وقال لي: تفضل وربط البهيمة ولم يسمح لي ترك البلد الا بعد الغدا وبعدها زودني بشوال طحين وحمله عالحمارة وربطوا منيح، وقال لي: "عندما يميل ترفعه لأنه اذا وقع ما تقدر تحملوا لثقل وزنو وبالفعل عدت ومعي شوال طحين". وأنا بدوري قرأت الرسالة وبتأني فكثير من كلماتها تحول الى بقع بنية اللون من الحبر.. لا شكل لها احيانا.. بالكاد يتسنى للمرء تمييز حروفها.. وفي مواضع اخرى اهترأ الورق كان الزمن سكب عليها حامضا خبيثا وبقليل من الصبر وكثير من الحظ.. افلحنا انا وأبو محمد على سبر فحواها وتخمينه ورضخنا معا لتبيان وقراءة ما تيسر من حروفها وكلماتها والتي كتبت بخط ابي عاطف الجميل المقروء.
وجدير بالذكر شهادة الرفيق نصري المر (ابو انطون) رحمه الله (1920-2006) التي سجلتها بالصوت قبل وفاته والتي نشرت في كتاب الرفيق احمد سعد (رحمه الله) "جذور من الشجرة دائمة الخضرة" ص197 انه قال: "قرروا اعطائي تصريحا تحت حامية عبلين ومن هنا نفدت من الطوق وثاني يوم نظمت مظاهرة لإطلاق سراح المعتقلين من اهالي المعتقلين امهات وآباء لم يعتقلوا ومنهم: روحية ادريس ونفيسة زوجة احمد الحسن السكران ابو جريس اليعقوب ابو سليم الجرجورة والياس جرجورة وغيرهم قلت لهم روحوا صيحوا بتطلعوا ولادكم في مقر اللجنة العسكرية (في دار ناصر داود) ولكن طلع الشيخ علي الخطيب وتعهد لهم بإطلاق سراحهم بعد ان همدهم". وقال لي ايضا: فقد اعتقلوا 80 شابا من عبلين في 2 آب 1948 بعد ان فرضوا طوقا على عبلين بحجة اتهامهم انهم في الجيش (جيش الانقاذ العربي).
(يتبع)      
قد يهمّكم أيضا..
featured

ابن الناصرة وابن أم الفحم: استعجلت الرحيل يا أبا الوليد

featured

هل مضى عهد مفاوضات "طحن الماء" ؟

featured

موجة الصدمة السوريّة، من الرياض إلى طهران

featured

نحو تشكيل لجان شعبية لتعزيز صمود المواطنين

featured

الشروق والغروب

featured

سوريا 2011، فلسطين 194

featured

علاقة المنفعة المتبادلة بين الأيباك والإدارة الأمريكيّة وعلاقة الاستغلال للشعوب العربيّة

featured

في إسرائيل: التهمة جاهزة ـ أنت متهم في كل الأحوال