المجتمعات العربية في المرحلة الراهنة، تعيش رهينة طغيانين، “الطغيان السياسي" الذي يتحكم بسلطة الدولة ليهمش المجتمع ويستبعده من أي قرار، و"الطغيان السلفي" التراثي الرجعي يتحكم بالرأي العام ويسعى إلى تحويله إلى كتلة واحدة صماء وتابعة معا. وكلاهما يقومان على نفي الفرد وتجريده من استقلاله وحرية تفكيره ووعيه النقدي في سبيل إلحاقه بهما واستتباعه. فالطاغية (ملكا أو رئيسا أو أميرا أو شيخا) لا يقبل بأقل من الاستسلام والإذعان، وصاحب الوصاية الدينية السلفية الجامدة، المحمولة برؤى نقيضة للتطور والنهوض الحضاري الديمقراطي، لا يقبل بأقل من التسليم والانصياع المطلق للنص أو لما يعتبره الرأي الصحيح والتفسير الحق”، دون أي مراجعة موضوعية عقلانية تستند إلى منهجية تاريخية تفسر هذا النص أو الحديث وفقاً للأحداث أو الأسباب التاريخية التي أدت إلى ورود هذا النص أو الحديث أو ذاك.
من هنا ليس من المبالغة القول، أن هناك تحالفا موضوعيا بين احتكار السلطة واحتكار الحقيقة. فهما يكملان بعضهما البعض، رغم اختلاف منظور كل منهما وصراعهما على السلطة والمصالح، فالجوهر بينهما مشترك من حيث تكريس الاستبداد والتخلف، فبقدر ما يجرد الطغيان والقهر السياسي الفرد من وعيه وضميره وحسه النقدي، أي من إرادته واستقلاله، يحوله إلى لقمة سائغة لأصحاب جماعات الاسلام السياسي السلفية الجامدة النقيضة للاستنارة الدينية، أو يحوله إلى إنسان خاضع لنظام الاستبداد بصورة إكراهية هروباً من بشاعة ممارسات تلك الجماعات.
نستنتج مما تقدم أن القوى الكومبرادورية والرأسمالية الرثة المهيمنة والمتصارعة، بجناحيها “اليميني العلماني” و”اليميني الديني أو الإسلام السياسي” – في كل بلدان الوطن العربي – لا تملك في الواقع مشروعاً حضاريا أو ديمقراطيا وطنياً مستقلا نقيضاً للنظام الامبريالي الرأسمالي، كما أنها لا تملك أيضاً مشروعاً تنموياً يحقق العدالة الاجتماعية وينهي التبعية ويتجاوزها صوب مبدأ الاعتماد العربي على الذات، فالتنمية عندهما هي ما تأتي به قوى السوق المفتوح والمبادرات العشوائية للقطاع الخاص المحلي الكمبرادوري الذي لا يستهدف سوى تحقيق الربح، حتى لو كان على حساب دماء الكادحين والفقراء من أبناء الطبقات الشعبية، إلى جانب حرصهما على تشجيع نشاط المستثمرين الأجانب والشركات المتعدية الجنسية الكبرى وحكوماتها التي تدعم كل من أنظمة الاستبداد وجماعات الإسلام السياسي، وفق مصالحها في هذه المرحلة أو تلك، بما يضمن تطبيق مقولة الاستيلاء على فائض القيمة لشعوبنا من ناحية، وإبقاء شعوبنا أسيرة لآليات التخلف والتبعية والاستغلال واحتجاز التطور من ناحية ثانية، في مقابل حرص القوى الإمبريالية على تقديم كل مقومات القوة لدولة العدو الإسرائيلي لمواصلة تنفيذ مخططاتها العدوانية لتصفية قضية شعبنا الفلسطيني وتفكيك هويته واستسلامه لشروطها، خاصة في ظروف الانقسام والصراع على المصالح بين طغيان واستسلام القيادة المتنفذة في م.ت.ف، وطغيان حركة حماس وتفاوضها على المهادنة، في مقابل تزايد مظاهر القمع والاستبداد والتفرد الدكتاتوري في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، كما هو الحال في مجمل النظام العربي اليوم، حيث يعيش المواطن العربي اشكالاً متنوعة من القهر والقمع تتراوح درجاتها في البشاعة بين طغيان النظام الحاكم أو بشاعة ممارسات الجماعات الإسلامية المتطرفة أو كلاهما معاً.
فلا أحد من العرب من الخليج إلى المحيط -اليوم وقبل اليوم- يستطيع أن يقول: أنا “مواطن” بمعنى الشعور الواعي بالمساواة وحرية الرأي والمعتقد، ذلك لأن الشخص الذي يستحق أن يسمى بهذا الاسم، هو الشخص الذي لا يدين بالولاء لا للقبيلة ولا للطائفة، ولا لحكم على رأسه فرد مطلق الصلاحيات، رئيسا أو ملكا أو شيخا أو اميرا، ولا لدولة يستمد القائمين عليها سلطتهم من مصدر غير إرادة الشعب المُعَبَّر عنها تعبيراً حراً.
*باحث فلسطيني
