حتى الإشاعات والنميمة تدخل في حسبان المخطّطات الأميركيّة. إذ تتحدث الوثيقة عن الانقسام في صفوف الجهاز العسكري ــــ الاستخباراتي، وعن ضرورة «تشجيع الإشاعات والإشارات عن مؤامرات خارجيّة» لأن «النظام حساس للغاية لإشاعات عن محاولات انقلاب وعدم ارتياح في صفوف الجهاز العسكري والأمني الحاكم». وتضيف أنه يجب حثّ «الحلفاء الإقليميّين مثل مصر والسعوديّة للالتقاء بشخصيّات مثل خدّام ورفعت الأسد كطريقة لإرسال إشارات من هذا النوع، مع تسريب ملائم لهذه اللقاءات بعد حدوثها». لم يكن عبد الناصر يمزح أو يبالغ بعد حرب ١٩٦٧ بأن العدوّ كان يشيع السخرية ويعمّم الإشاعات كي يزرع ثفاقة الهزيمة في الشارع المصري.
وتقترح الوثيقة إبراز فشل «الإصلاح» الاقتصادي (الذي كانت الحكومة الأميركيّة تثني عليه علناً) خصوصاً في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسيّة لعام ٢٠٠٧ لإحراج الأسد ونزع الشرعيّة عنه. كما تقترح مقارنة جهود «الإصلاح السوري» مع إصلاحات أخرى في الشرق الأوسط (لعلّ الدبلوماسي الأميركي يقصد النجاح الاقتصادي في تونس ومصر آنذاك، قبل ان يثور الشعب على الإصلاحات المرضي عنها اميركيّاً). وتدعو الى العمل على ثني دول الخليج عن الاستثمار في سوريا (أي ان إفقار سوريا كان خطّة من خطط الحاكم الأميركي).
وفي المسألة الكرديّة، تقترح الوثيقة إبراز شكوى الأكراد في سوريا عبر تصاريح علنيّة بما فيها نشر خروق حقوق الإنسان لمضايقة النظام وإظهار الحرص على السكّان الأكراد. لكنها تبدي تحفّظاً عن الذهاب بعيداً في إبداء الحرص على مصالح الأكراد في سوريا، إذ «ان هذا الموضوع يحتاج إلى معالجة حذرة لأن الإبراز الخاطئ للقضايا الكرديّة في سوريا يمكن ان يشكّل نقيصة لجهودنا في توحيد المعارضة بناء على الشكوك السوريّة (العربيّة في غالبها) في المجتمع المدني إزاء الأهداف الكرديّة» (أي ان الحكومة الأميركيّة كانت تعمل على توحيد المعارضة السوريّة عام ٢٠٠٦ قبل بدء التظاهرات الاحتجاجيّة في سوريا). وهذا التحضير المُبكّر لقوى المعارضة من قبل الإدارة الأميركيّة ينبئ بنوايا مبيّتة ضد الشعب السوري. (طبعاً، هذا لا ينفي صفة الأسباب الحقيقيّة والوطنيّة لمعارضة النظام لكن هناك تيّارات في المعارضة كانت أميركا ودول الخليج تعدّها مبكّراً لتحقيق مآربها ولتقويض المعارضة الوطنيّة).
أما في الفقرة المتعلّقة بالحركات الجهاديّة «المتطرّفة»، بحسب الوصف الأميركي في الوثيقة، فإن الحكومة الأميركيّة تعترف سرّاً (لا علناً) بأن النظام السوري يقوم «ببعض الأعمال ضد مجموعات تعلن روابطها مع القاعدة»، لكنها تشمت بحدوث بعض الأعمال «الإرهابيّة» في سوريا نفسها. أما في السياسة العلنيّة، فتقترح إعلان وجود ممرّ لمجموعات متطرّفة في سوريا غير محصورة بحماس والجهاد الإسلامي، وترى ان إعلان الجهود السوريّة ضد المجموعات المتطرّفة يجب ان يكون بطريقة تظهر «ضعف الحكومة وبوادر عدم استقرارها» ونتائج سياساتها.
وتصل الوثيقة إلى خلاصة تتناقض مع السياسة العلنيّة للإدارة الأميركيّة آنذاك، إذ تشير الى أنه من الصعب الحصول على «صورة دقيقة للتهديد الذي يشكّله الإسلاميّون المعادون للنظام في داخل سوريا. (لكن) الأكيد ان هناك تهديداً بعيد المدى». وفيما تعترف بوضع الأسد القوي في حينه تخلص إلى ضرورة «استغلال نقاط الضعف» لتكوين «فرص لنا لزعزعة عمليّة صنع القرار (في سوريا) ولإبقائه في حالة عدم توازن ولجعله يدفع ثمن أخطائه».
ليس هناك ما يساعد في فهم ما حدث في سوريا على مدى السنوات الماضية مثل هذه الوثيقة. هي تدعّم فكرة ان الحكومة الأميركيّة، وإن لم تخلق حالة المعارضة والاحتجاج في سوريا حيث هناك ألف سبب وسبب للمعارضة والاحتجاج ضد النظام، فإن واشنطن مسؤولة بدرجة كبيرة عن تدهور الوضع في سوريا، وتحويل حالة سياسيّة إلى حرب مُدمّرة بين النظام وبين عصابات مُسلّحة تلقى الدعم والتمويل والتسليح من دول الخليج ومن الدول الغربيّة. لم تخلق الإدارة الأميركيّة حالة الطائفيّة والمذهبيّة في سوريا وفي العالم العربي، لكنها أجّجتها وأشعلتها واعتنقتها (من خلال وسائل الإعلام العربيّة المُطيعة لها) سياسة رسميّة ضد كل أعداء الحكم الأميركي في المنطقة العربيّة.
هذه الوثيقة مخضبة بدماء الشعب السوري في وقت يذرف جون كيري، وباقي مسؤولي الإدارة الأميركيّة الدموع على المهجّرين السوريّين، فيما لم يبلغ عدد اللاجئين السوريّين المقبولين في أميركا العدد في قرية واحدة في جبل لبنان كما لاحظ موقع إخباري غربي. خطّطت الحكومة الأميركيّة لخلق حالة من عدم الاستقرار والفوضى في سوريا للتأثير في الحاكم، كما خطّطت وتخطّط للحفاظ على الأنظمة العربيّة الموالية للحكم الأميركي (أي معظم انظمة الطغاة في الشرق الأوسط). وقد يقول قائل أو قائلة: ما ضير ان تقوم أميركا بتغيير نظام قمعي ما في العالم العربي؟ الجواب ماثل امامنا في العراق وفي ليبيا وفي أي مكان تقوم فيه الولايات المتحدة بقلب نظام الحكم. لا تريد أميركا ان تجعل من الحكم في اي دولة عربيّة أكثر رشاداً او نزاهة أو ديمقراطيّة. هي تريد فقط ان تجعل منه أكثر مطواعيّة وطاعة وانصياعاً لأوامراها.
لم تنته الحرب في سوريا، ولم يكتب تاريخها بعد. وهناك فترة طويلة ستمرّ قبل ان نتمكّن من كتابته. لكن، الأكيد ان الإدارة الأميركيّة (في عهدي جورج بوش وباراك أوباما) تتحمّل مسؤوليّة جمّة، مباشرة وغير مباشرة، عن الدمار والدماء في سوريا. هي أرادت ان تزعزع الاستقرار في سوريا ليس لصالح الشعب السوري أو الديمقراطيّة، ولا حتّى لقلب النظام.
لغة الوثيقة الرسميّة واضحة لا لبس فيها. كانت الحكومة الأميركية تسعى جاهدة لإضعاف النظام السوري وليس لقلبه، لجعله أكثر مطواعيّة وولاء لمصالحها. وكان اغتيال الحريري الفرصة الأكبر لتحقيق ذلك. وتأجيج الصراع الطائفي المذهبي في المنطقة العربيّة بعد اغتيال الحريري كان وفق خطّة أميركيّة مرسومة ومنفذّة بعناية فائقة من قبل أدوات الحكومة الأميركيّة في لبنان والمنطقة العربيّة. فقد أرادت ان تزيد من حدّة التنابذ السنّي ــــ الشيعي لتقويض دعائم المقاومة ضد إسرائيل (لم يكن محمّد دحلان يعمل من عنده عندما كان يقود جماهير غزة في هتاف «شيعة شيعة» ضدّ حركة حماس عندما كانت حليفة لحزب الله). وصعود التنظيمات المكفرة للشيعة، ولمن يخالفها من السنة في سوريا وخارجها، كان نتيجة مباشرة للخطة الأميركيّة. ولم تكترث أميركا لأمر التنظيمات القاعديّة إلا بعد أن استفحل أمرها وكبر نفوذها وشكّل خطراً على حلفائها. إلا أن الحكومة الأميركيّة كانت مُشاركة بطريقة مُباشرة في إنعاش ظواهر القاعديّين في سوريا من خلال ما أسمته «نيويورك تايمز» عام ٢٠١٢ سياسة «غض الطرف» عن احتضان أنظمة الخليج للتنظيمات الإرهابيّة الجهاديّة وتسليحها ودعمها. ظنّت الحكومة الأميركيّة ان المسألة لن تطول مثل ليبيا وان «رجال الأعمال» المرضي عنهم خليجيّاً سيقودون سوريا نحو صراط الرجعيّة اليمينيّة المتوائمة مع التحالف الأميركي ـــ الإسرائيلي.
رابط الوثيقة:
https://wikileaks.org/plusd/cables/06DAMASCUS5399_a.html
