من أجل النقاش الهادف بعيدًا عن الاتهامات غير الموضوعية

single

*أدهشني مقال الرفيق والصديق جواد بولس (الاتحاد، 19.7) الذي صب فيه جام غضبه على قيادات الجماهير العربية، حيث نالت قيادة الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة القسط الأكبر من هذا الهجوم غير المبرر وغير الموضوعي*

 


// الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي نعيشه اليوم في بلادنا وعالمنا العربي والعالم كله، معقد جدا وفيه من الويلات والمآسي التي تولِّد الفتور لدى الجماهير في نضالها اليومي والعام. وشعبنا العربي الفلسطيني ما زال يرزح تحت الاحتلال الاسرائيلي منذ عقود من الزمن وهو الشعب الوحيد في عالمنا هذا الذي لم يحقق استقلاله، حتى الآن، على تراب وطنه الذي لا وطن له سواه.
استمرار هذا الواقع المأساوي الذي يعيشه شعبنا العربي الفلسطيني يؤدي الى الاحباط الذي قد يصل الى درجة اليأس عند البعض من القوى الوطنية الصادقة وفي حالات كثيرة تختلط الامور حتى لدى بعض كتابنا الوطنيين الصادقين، خاصة في بعض القضايا والمواقف السياسية والاجتماعية التي تشغل جماهيرنا العربية في هذه البلاد على المستوى المحلي والاقليمي والعالمي، الأمر الذي يؤدي بهم الى خلط الاوراق ووضع كل القوى السياسية التي تعمل على ساحتنا العربية في سلة واحدة وهذا الامر يؤدي الى عدم الفهم الواقعي لدور القوى السياسية، وفي رأيي هذا ناتج عن الاحباط لديهم، الامر الذي يسهم في زيادة اليأس والاحباط لدى بعض قرائهم في الوقت الذي يجب ان يكون دور هؤلاء العمل الدائم على رفع المعنويات لدى جماهيرنا، من اجل الاستمرار في المواجهة والتصدي للمؤامرات التي حيكت وما زالت تحاك ضد جماهيرنا العربية في هذه البلاد.
لا شك ان الاضراب الذي أعلنته لجنة المتابعة للجماهير العربية في هذه البلاد ضد مخطط برافر العنصري الذي يستهدف جماهيرنا في النقب وجماهيرنا العربية كلها بشكل عام، لم يكن بمستوى الحدث ولكن بالرغم من كل هذا كانت صرخة غضب هامة يجب الاستفادة منها والعمل بشكل مثابر أكثر من اجل اعلائها، وان عدم التجاوب الكافي من قبل جماهيرنا في هذه المرحلة لا يعني بأي شكل من الأشكال نهاية المطاف وان "نضع الحزن بالجرة" كما يقول المثل.
فجماهيرنا العربية التي بقيت في وطنها بعد نكبة شعبنا العربي الفلسطيني لم تيأس ولم ترفع يديها حتى في وقت العدوان الثلاثي على مصر العربية وكذلك بعد النكسة التي اصابت الجيوش العربية خلال عدوان حزيران 67 من قبل حكام اسرائيل، وبالرغم من كل هذه الظروف الصعبة التي واجهتها في تلك المراحل بقيت تقاوم وتجابه وتدفع الثمن الباهظ لأنه كان وما زال هناك من يعمل بمثابرة واستمرارية من اجل رفع معنوياتها من اجل تخطي مثل هذه المحن.
تحميل مسؤولية دم النجاح الكافي ليوم الاضراب لقيادات هذه الجماهير بدون أخذ الظروف الموضوعية والذاتية التي نعيشها في الحسبان، لا يؤدي الى الاستنتاجات الصحيحة من اجل الارتقاء بعملنا النضالي الى مستويات أعلى. وأنا هنا لست في باب الدفاع عن هذه القيادات لأن لكل منهم عيوبه ونواقصه الخاصة وهذه العيوب والنواقص تتفاوت بين قيادة واخرى، ولا شك انهم يتحملون قسطا من المسؤولية ولكن وضع الجميع في سلة واحدة وعدم اظهار الفروق المميزة، فيه الكثير من التجني وعدم الدقة وخلط الامور بين العام والخاص والمحلي والمنطقي والعالمي، وهو عمليا تشويه للواقع الذي نعيشه في هذه المرحلة ويظهر مثل ما يقول المثل "اللي كاسر الجرة واللي مليها نفس الشي" ان هذا لا يصب في مصلحة تطوير أداء عملنا النضالي.
لقد أدهشني مقال الرفيق والصديق جواد بولس (الاتحاد، 19.7) الذي صب فيه جام غضبه على قيادات الجماهير العربية، وأنا أرى أن من حقه أن يغضب وأن يناقش ولكن بموضوعية وباحترام متبادل، لقد نالت قيادة الحزب الشيوعي والجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة القسط الأكبر من هذا الهجوم غير المبرر وغير الموضوعي، في الوقت نفسه، صحيح انني افهم الرفيق جواد انه يريد دورا أكثر فاعلية للجبهة والحزب في المجال المحلي وهذا حقه وأعرف ايضا ان له موقفا مختلفا عن موقف الحزب والجبهة في القضية السورية وهذا حقه ايضا، ولكن ليس من العدل نتيجة لموقفك هذا ان تشن مثل هذا الهجوم غير المسبوق وغير الواقعي على الحزب والجبهة وهذا لا يصب في صالح تطور الأداء والعمل.
يبدأ الصديق جواد عند تحليله لموقف الحزب والجبهة بجمل لا تمت بصلة لمواقف الحزب والجبهة حيث يقول:" أما قادة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة فيصفقون لبوتين وقادة روسيا، الشيوعيين منهم ما زالوا يعيشون على رائحة الاتحاد السوفييتي العظيم، لم يفيقوا من تلك السقطة". من الذي صفق لبوتين هل رؤية موقف ايجابي معين من وجهة نظرنا يخص شعبنا او شعوبنا العربية في هذه المنطقة يعني تصفيقا لهم؟ ولو كان هناك موقف ايجابي من امريكا او أي دولة أخرى حتما سنشير اليه بالايجاب.
لقد رأينا وما زلنا نرى ان قادة روسيا اليوم ليسوا شيوعيين بل هم جزء من القوى التي تآمرت على الشيوعيين وعملوا على اسقاط الاتحاد السوفييتي الذي كان سندا لكل الشعوب المضطهَدة، هل تنكر هذا يا رفيق؟ ان الشيوعيين هنا لا يعيشون على رائحة الاتحاد السوفييتي العظيم وفعلا كان عظيما. لماذا ترى وتحمل سقوط الاتحاد السوفييتي الى سقطة للشيوعيين هنا، ما هذا التمادي؟ لقد درس الشيوعيون هنا الانهيار الذي حل بالعالم الاشتراكي منذ تلك المرحلة وخرجوا بنتائج واستمروا في عملهم المثابر. ويضيف في هذا المقال "المسطرة لديهم هي عدائهم التاريخي المستمر لأمريكا"، لا أعرف أأضحك أم أبكي؟ هل عداؤنا لأمريكا اصبح مأخذا علينا؟ ولماذا نحن نعادي أمريكا هل نعاديها كما يقال بالعامية "عرف جقم" أم أننا نعاديها نتيجة لمواقفها المعادية لقضايا تحرر الشعوب وبشكل خاص موقفها من قضية شعبنا العربي الفلسطيني المنحاز كليا والدعم غير المحدود لحكام اسرائيل وعدوانيتهم المستمرة ضد شعبنا وشعوب المنطقة كلها؟!
ومن أجل التوضيح للأمور نحن لا نعادي الشعب الامريكي نحن نعادي سياسة حكام امريكا التي كانت وما زالت حتى يومنا هذا تقف دائما موقف العداء للشعوب في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ان هناك ثالوثا دنسا: الاستعمار الذي يقف على رأسه حكام امريكا والصهيونية والرجعية العربية. دورنا كان وما زال هو النضال والعمل المثابر ضد هذا الثالوث، ان واجب كل القوى الوطنية العمل على فضح سياسة هؤلاء بكل الوسائل المتاحة لدينا. ويضيف في هذا المقال ايضا "بعضهم يعزز عشقه لبوتين وزمرته بموقف هؤلاء مما يجري على الساحة السورية ويرفضون ان يروا ما كان موقف هذه الروسيا في ليبيا مثلا او في العراق وغيرها". وهنا يأتيني المثل القائل "تحيرنا يا قرعة من وين نبوسك"! من ناحية تنتقد روسيا لأنها وافقت على التدخل الغربي في ليبيا والعراق ومن ناحية اخرى تنتقدها لأنها اليوم تقف ضد التدخل الغربي في سوريا؟! لا يا رفيق جواد نحن رأينا وانتقدنا موقف روسيا في ليبيا والعراق، يظهر انك لم تقرأ مواقفنا في هذه القضايا وفي الوقت نفسه رأينا بايجابية موقفها من الاحداث في سوريا. هل يعجبك ما يجري في سوريا اليوم من وجود جبهة النصرة والقاعدة وطالبان وتكفيريين حتى من الشيشان؟! هل موقفنا هذا يعني اننا نعشق بوتين؟
ويضيف في نفس المقال "يصمون آذانهم عندما يصرح وزير خارجية روسيا قبل أيام وهو يستقبل وزيرة القضاء ومسؤولة المفاوضات تسيفي ليفني على مسامع العالم أفهم لافروف الفلسطينيين ان روسيا لن تدعم خطوات أحادية الجانب من قبل الفلسطينيين وأن روسيا لن تعترف بدولة فلسطين في مجلس الأمن". والله يا جواد "ما بشرق بعسل" من روسيا ولكن لماذا نحمّلهم هم المسؤولية عن عدم الاعتراف بفلسطين وهم الذين صوتوا في الامم المتحدة من أجل قبول فلسطين عضوا غير كامل الحقوق في الجمعية العامة للأمم المتحدة وعند البحث في مجلس الأمن قبل ذلك، من الذي منع البحث؟ أليست أمريكا التي لا تريد أن نعاديها، وتريد أن نقف معها من اجل ضرب سوريا.
لماذا تحملنا مسؤوليات غيرنا، هل لأنك تختلف في موقفك في القضية السورية عن موقف الحزب والجبهة تصل الى مثل هذه الاستنتاجات المغلوطة؟ في اعتقادي ان موقف الحزب والجبهة الذين لهم هيئاتهم التنظيمية ويجلسون ساعات ويناقشون مختلف المواضيع المطروحة على بساط بحثهم ويخرجون باستنتاجات وينشرون هذه الاستنتاجات، هذا حق طبيعي لها وفي الوقت نفسه هناك كل الحق لأي كان ان يعارض او يوافق ومن حقه ان يناقش بموضوعية من اجل الاستفادة من نقاشه، ولكن ليس من حقه التمادي على حزب وجبهة لهم تاريخهم النضالي الطويل منذ نشوء الحزب قبل أكثر من تسعين عاما حتى اليوم.
ينهي الرفيق جواد مقاله بجملة يقول فيها "هذا أولا وهذا أخيرا هكذا كتبت وسأستمر" من حقك كما قلت سابقا ان تكتب ما تراه ومن حقك ان تعارض الآخرين وان تظهر استقلاليتك الذاتية ولكن ليس من حقك ان تصف الآخرين بصفات او مواقف ليست لهم وان تحملهم أخطاء غيرهم.
في رأيي ان نهاية مقالك فيه نوع من الاحباط وحتى اليأس عندما تقول "المصيبة والقضية: المقاوم عربي السجين عربي القاضي عربي المحقق عربي المدعي عربي حارس الحدود المعتدي عربي الناطق باسم الخارجية والداخلية عربي وحارس السجن عربي.... أين اسرائيل من كل هذا؟" كان يمكن ان تضيف ان هادم البيوت عربي وان سالب الارض عربي وحكام اسرائيل فقط شماعة.. هل بهذا نجند الجماهير أم توصلهم الى الاستنتاجات السيئة والى ما يقوله المثل "اللي بوخذ أمي هو عمي".. وعنوان مقالك "عرب ونكب" يذكرني ايضا بمقولة قديمة كانت تردد "عرب جرب" ومثل كل هذه المقولات توصل القارئ الى اليأس لا الى رفع المعنويات والتحدي ولا يمكن لمثل هذه التوجهات ان تسهم في تطوير وتوحيد جماهيرنا العربية. في اعتقادي ان كتّاب المقالات الأسبوعية من المفروض ان تصب مقالاتهم هذه في تعميق مفهوم الوحدة والعمل المشترك وتعميق الوعي الوطني لدى الجماهير.

 


(عرابة البطوف)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الدين لله والأخوَّة لنا (الجزء الأول)

featured

أبو ابراهيم الكادح المخلص لطريق الكفاح

featured

بماذا تختلف السنة الدراسية الحالية عن سابقاتها

featured

في يومك سيدتي، كل شيء تغيّر!

featured

عنصرية الجموع

featured

هل نستطيع أن نحمّل إسرائيل مسؤوليّة الفشل؟

featured

حرية الرأي والتعبير