لفت نظري مرة، وجود علامة في الشهادة المدرسية لطالب من أيام الانتداب البريطاني.. العلامة كانت يومها مقابل موضوع – الهندام – وقد حاز الطالب فيها على علامة جيد جدًا.. كان هذا قبل نيف وثلاثين سنة!! والمشهد ما زال مطبوعًا في مخيلتي إلى يومنا هذا!! اذكر يومها انني رافقت إحدى عرائس قريتنا من أيام زمان "للكسوة" في عكا!! وفي "الكسوة" تشتري العروس قبل زفافها بأسابيع ما يلزمها من ملابس جميلة وأدوات زينة!! وقد اشتهرت عكا في منطقتنا بان فيها دكاكين ألبسة ملائمة للعرائس! وكانت احداها لتاجر من حيفا اسمه مفيد نقارة، هناك في دكانه.. وعلى احد جدران الدكان علق التاجر شهادة مدرسية ربما له وربما لأخيه المرحوم حنا نقارة، محامي الشعب والأرض طيب الذكر.
وفي الشهادة إقرار بان صاحبها قد أنهى دراسته الثانوية في إحدى مدارس حيفا الانتدابية! وكان موضوع الهندام من بين المواضيع التي رأت المدرسة ان على الطالب ان ينجح فيه.
وقبل ان استرسل.. أود ان اشرح مفهومي لكلمة "هندام" – فالكلمة تُعنى بمظهر الفرد.. لباسه، ترتيب وتمشيط شعره، نظافته الجسمانية، وذوقه في دمج كل هذه المركبات ليخرج أنيقًا، متناسبًا، منسجمًا في نظام ملابسه وألوانها... الخ
فالشكر كل الشكر باسمكم لمدارس الماضي على هذه الالتفاتة إلى موضوع هام كالهندام لأنني شخصيًا أعيره اهتمامًا خاصًا لإيماني من انه مؤشر أولي على فهم شخصية الفرد الذي يقابلك. طبعًا إلى ان تتم الصورة عنه بعد ان يجتاز امتحانات في مواضيع أخرى!
حبذا لو اهتم القيِّمون على التربية والتعليم في مجتمعنا وفي أيامنا بالموضوع كما اهتم به مربو العهد الماضي! فقد يكون الأمر محفزًا للأمهات ان يرتبن أمور أولادهن في المظهر وفي أشياء أخرى أيضًا.
أما موضوع السلوك فإنه في نظري يستحق ان يتربع على عرش كل المواضيع!! صحيح اننا ما زلنا نسجله في الشهادة المدرسية! ولكن وللأسف نسجله في آخر سلم المواضيع المطلوبة من الطالب ان ينجح فيها! وبكل أسف، مرة أخرى هذا نهج تتبعه غالبية مدارسنا. إذ في أحيان كثيرة يقوم المعلمون بإعطاء الطالب علامة عالية في السلوك لكي يتعدّل مستوى علامات التحصيل عند الطالب الفاشل!!
ألا تشعرون بأننا نتحمل مسؤولية أخلاقية واجتماعية إذ نوحي لأولادنا بعدم اهتمامنا بموضوع السلوك؟! ألا تشعرون بالحرج في زجرهم عن الانحرافات السلوكية في حين نحن نهمل ذلك؟! بربكم كيف يمكن تفسير ظاهرة ترقية شخص ما لوظيفة عالية في حين ان تصرفاته السلوكية متدنية؟!
آمن الناس في الماضي بأفضلية الذوق على العلم!! وأنا من هؤلاء إذ أقرر تطوير علاقاتي مع أي شخص بحسب سلوكياته وتصرفاته معي ومع المجتمع!!
والخلاصة، نحن في عصر يزداد العنف فيه، نشاهد يوميًا نماذج عديدة من العنف في الكلام، في النقاش، في السياقة في الأماكن العامة، بين الطالب والمعلم، بين الأب والابن، بين المواطن والمسؤول وهلمجرا..
الا يتوجّب علينا ان نعيد النظر في موضوع السلوك في المدرسة فنعيد طباعة الشهادة المدرسية من جديد ونضع موضوع السلوك في المكان الأول فيها قبل اللغات والتاريخ والجغرافية. نوليه الاهتمام الذي يستحقه!! كموضوع مقرر لأي تقييم لأي طالب!! وبالنهاية على الجميع ان يعرفوا ان لا فائدة ترجّى من عبقري فاجر أيًا كان وفي أي موضوع!!
