*دمشق تحترق*
كما الكثيرين من المولعين بالأخبار، كاتب هذا المقال يعتاد الاستماع إلى الشبكة الاذاعية الاسرائيلية الثانية لبرنامج "هذا الصباح". وليس هناك حاجة ليكون الشخص عالما بوسائل الإعلام من اجل الإحساس بالتلاعب الفظ والتحرير المنهجي. والذي يكثر من هذا العمل هو المراسل للشؤون العربية، عيران زينجر، وعلى ما يظهر فهو تلميذ مخلص لمدرسة التحليل على اسم ايهود براك. والحديث يدور حول نبي الذي أعلن قبل عدة أشهر عن سقوط الأسد خلال عدد من الأيام. ومن استمع إلى عيران زينجر هذا الأسبوع تلقى كل يوم وجبة تقارير التي هدفها الواضح كان إظهار انه يوجد في عاصمة سوريا اصطدامات واسعة والتي يشارك فيها آلاف الجنود. وآلاف كثيرة من جنود النظام يتحولون إلى صفوف المتمردين، والنيران تقترب نحو قصر الأسد. وباختصار، الحبل حول عنق النظام يشتد أكثر. النتيجة واضحة – دمشق تحترق، النظام ينهار.
صحيح، ان وسائل الإعلام التابعة للمؤسسة هنا وفي الخارج أرادت ان تؤكد خلال الأشهر الأخيرة التوسع المستمر للتمرد وكذلك تراكم الصعوبات أمام النظام، لكن بداية التغيير تظهر بتغطية سير الأمور.
قبل عدة أيام "النيويورك تايمز" كتبت: "سوريا محاصرة في تعادل عنيف ويبشر شرًا. للأسد تفوق حاسم بالأسلحة والاستعداد للقضاء على أعدائه والرئيس يستطيع ان يتمسك بالحكم خلال أشهر وحتى لسنوات. وخلال ذلك يمكنه ان يمنع تسلط المعارضة على أي موقع ولمنعها من إمكانية اقامة قيادة فعالة ومؤثرة، وكما يقول المحللون، دبلوماسيون وسوريون المرتبطون بالثورة".
وعلى ما يظهر ان انتصار التمرد بعيد أكثر من ان يكون مؤكدًا. وجد وضع من التعادل كذلك في المجال الدبلوماسي – السياسي. فقد أحبطت حتى هذه الساعة محاولة الولايات المتحدة وحلفائها لإيجاد تغطية للتدخل.
- واشنطن مضطرة للانسحاب
مجلس الأمن توحّد هذا الأسبوع في دعم مهمة كوفي عنان. وصحيح ان كثيرًا من البنود في القرار الذي اتخذ هذا الأسبوع بقيت من الوثيقة الأمريكية السابقة، ولكن هذه المرة شطبت لغة التهديدات والاملاءات.
المجلس اقترح حوارًا بين حكومة سوريا صاحبة السيادة وبين كل أطراف المعارضة. وحتى الآن طلبت كل دول المحور الامبريالي – الولايات المتحدة، السعودية وقطر – إحباط كل محاولة لإجراء مفاوضات. فهم فجروا بعثة الجامعة العربية ورفضوا إجراء المفاوضات مع الأسد. مع ان هيلري كلينتون أعلنت عن الانتصار لكن كان واضحًا للكل ان الولايات المتحدة اضطرت للتنازل عن القرار الذي يمكّن من التدخل الغربي من اجل إقامة تغيير حكم.
وللأسف كان هنالك أشخاص كثيرون جيدون وصادقون الذين اعتقدوا ان إجراء حسابات مع الأسد هو الطريقة لحل الأزمة. لذلك، تسرع أوري افنيري وأصدقاء آخرون بدعم التدخل الأمريكي. هؤلاء الأصدقاء اندمجوا، وربما ليس عن رغبة، بموقف الغرب الذي طالب بإزالة الأسد – ليس بسبب القضاء على التمرد المدني – وإنما بسبب معارضة دمشق لبرامج الولايات المتحدة في المنطقة.
موقف يساري متزن وجدي يوجب حسب رأيي، دعم لكل إمكانية لإجراء مفاوضات بين الأطراف والحذر من دعم المتمردين الذي من شأنه ان يبقي على النزاع ويسبب حربًا طويلة ودامية. يمكن التحديد انه بشكل عام يتبلور في أوساط اليسار إجماع ضد التدخل الأمريكي، وكذلك في أوساط المنددين بالأسد.
- الوضع تغير – بعض الأمور اتضحت
هناك ثلاثة أسباب مركزية التي سببت ايقاظ الوعي المستمر في أوساط اليسار ولدى عناصر واقعية أخرى.
1. يظهر ان الأسد ونظامه يمثلون جزءًا كبير من الشعب السوري. النظام لم ينقسم وحافظ على مدى كبير من الوحدة. الجيش، اغلبه بقي مخلصًا للنظام – النظام نجح في مناسبات عدة إخراج إلى الشوارع مظاهرات جماهيرية. واستفتاء الرأي العام الجدي في احدى دول الخليج حدد ان الأغلبية في سوريا لا تساند إسقاط النظام. الأسد كما هو معروف ليس ديمقراطيًا، لكنه لا يختلف بشكل جوهري في مجال حقوق الإنسان عن جوقة طويلة من حكام دكتاتوريين الذين خدموا ويخدمون الأمريكان في المنطقة.
2. جدلية، موقع لأكاديميين عرب – أمريكيين مقرب بشكل واضح للقوات التي ضد الأسد. الموقع نشر من مدة ليست بعيدة مقالا يوضح شكل المعارضة السورية. أسعد أبو خليل الذي يدعم التمرد الشعبي في سوريا يذكر 14 (!) موقفًا ونشاطًا للمجلس القومي السوري والجديرة بالإدانة. وسأذكر الرئيسية: المجلس الوطني السوري هو الذي عمل ضد الاستراتيجية للنضال المدني غير العنيف وتحول لدعم عالمي بالنضال العسكري، المجلس الوطني السوري نكث بمبدأ الحياد في لبنان وارتبط مع قوى الحريري، المجلس الوطني السوري الذي عارض منذ البداية التدخل أصبح مؤيدًا للتدخل، ومن المفضل الأمريكي، المجلس الوطني السوري يرغب بإخفاء مدى وجود القاعدة في أوساط المعارضة، المجلس الوطني السوري أصبح أداة بيد السعوديين والقطريين، المجلس الوطني السوري يسكت أمام جرائم الحرب التي تنفذ بواسطة المتمردين من الجيش السوري، المجلس الوطني السوري مشارك في القتل على أساس اثني. كذلك الكاتب ينتقد ظواهر غير دمقراطية للفساد وعدم الشفافية.
3. يمكن ويجب تقدير التطور في سوريا على أساس النتائج للتدخل الأمريكي بشكل عام وخاصة على خلفية الأحداث في العراق وفي ليبيا. التدخل الأمريكي مع كل أشكاله يزيد ويؤجج المشاكل في دولة الهدف. النتائج في العراق معروفة جيدًا. في هذه الأيام أصبحت ليبيا دولة منقسمة ومتشرذمة لآلاف أبناء المليشيات التي تنشر الإرهاب في الدولة وتخنق كل احتمال لتطور اجتماعي، اقتصادي وديمقراطي عادي. ومع كل الصعوبات في هاتين الدولتين، فالنفط ما زال يتدفق وتعقد الاتفاقيات مع الحكومات "الصديقة" التي تضمن المصالح لشركات النفط.
- العلاقة بين سوريا وإيران
يزداد الاعتقاد ان الحكومة تقود إلى هجوم محتمل ضد إيران. والمعروف لنا، النجم التلفزيوني ايهود يعري، رأى ان يشرح هذا الأسبوع للمشاهدين العلاقة بين الجبهتين، بين الجبهة الإيرانية والجبهة السورية. يعري شرح للمشاهدين انه يجب عدم التوقف عن الجهد لإزالة الأسد من الحكم لان الأمر ضروري لتقدم النضال ضد إيران. سوريا هذه، وإيران معها، موجودتان حقيقة على محور الاهتمام الإسرائيلي – الأمريكي. وهاتان الدولتان تعملان معا ضد المحاولة لإسقاط الحكم ولإقامة نظام حكم موالٍ لواشنطن وللقدس. من الواجب توجيه سؤال لأصدقائنا الذين يريدون الوقوف في رأس المعسكر ضد الأسد، إذا كانوا يأخذون بالاعتبار كل وجهات النظر لهذا الواقع المعقد.
كيف يمكن لعناصر اليسار الارتباط للمؤسسة الإسرائيلية الأمريكية – السعودية التي تدفع نحو حرب شاملة في المنطقة؟ هل هذا صحيح ومعقول اليوم اتخاذ موقف يؤيد عمليا نفس القوى التي تناضل ضد كل حل وسط في سوريا ويستندون على الأمل انه ستنتج ظروف تمكن من التدخل الغربي في سوريا؟
من دون التغاضي عن مسؤولية نظام الأسد لانفجار التمرد وتعميقه لا يمكن تجاهل ان الأمريكيين وقوات مقررة في المعارضة السورية دفعت نحو انقلاب التمرد لنضال اثني، مع محاولة لاقامة جهة وربطها مع قوى سنية في المنطقة التي تدخل ضمن التأثير الأمريكي.
خبراء كثيرون في اليسار السوري يحذرون ان انتصار المعارضة من شأنه ان يقيم حملة قتل ضد ثلث سكان البلاد. والحديث يدور عن حملة ذات ابعاد ضد الإنسانية.
الأصدقاء المخلصون الذين برغبتهم المس، وليكن ما يكون، في موقف الأسد مع التغاضي بشكل غير مقبول من مجموع الأسباب التي تطورت مع الأزمة، يظهرون حسب رأيي، عدم الفهم وعدم نضوج سياسي.
- من تخنق العقوبات الخانقة؟
"حتى الآن" وكما يقولون، هناك أشخاص غير قليلين تقدميون يؤيدون العقوبات ضد إيران وسوريا. يقال ان في هذه العقوبات بديلا للحرب. لكن تجمع وليس بقليل خبرة في هذه القضية في السنوات الأخيرة. نظام العقوبات الذي فرض على العراق قبل الاحتلال الأمريكي أدى إلى نتائج خطيرة، وللمس الفظيع بأولاد هذا البلد. من الواضح ان العقوبات الاقتصادية تؤثر بشكل كبير في أوساط فقراء البلاد والجياع فيها. صحيح انه لا يوجد إثبات ان هذه العقوبات اجبرت حكاما على تغيير مواقفهم وللرضوخ لطلبات الدول العظمى. لكن لا يوجد شك بالنسبة للتأثير المدمر على السكان الموجودين بالرغم من ذلك، في ضائقة. خبراء طبيون ذكروا ان ملايين الأولاد العراقيين عانوا من مستوى منخفض للتغذية الذي سبب ضررا ثابتًا في صحتهم. وكل ناشط سلام يجب ان يفهم ان عقوبات مثل هذه التي تفرضها الولايات المتحدة في هذه الأيام على سوريا وعلى إيران هي بمثابة إعلان حرب ضد الأولاد في هذين البلدين.
- للتمسك بقيم اليسار المثابر
يوجد لدينا أصدقاء يدعون ان فكرة الامبريالية قد ولى عهدها. ومع انه كان هناك حوادث كثيرة لاستعمال متآكل في هذا المصطلح. ولكن لا يوجد مصطلح لا يمر "بتآكل". على حساب المحبة، البطولة وما شابه. المهم هو الجوهر. والذي لا يعترف بأهمية التأثير الاقتصادي، السياسي والعسكري للولايات المتحدة السائد في المنطقة تنقصه الأوهام ولا يستطيع تحليل الإجراءات التي تمر بالمنطقة، وأحد الذين لا تنقصهم الأوهام أمثال هؤلاء هو نوعام حومسكي، صاحب آراء ممتاز والذي يعود مرة تلو الأخرى على موضوع الامبريالية. حومسكي نشر مؤخرًا مقالا مهما من جزأين الذي يفحص التناقضات المركزية في المنطقة.
حسب حومسكي، السيطرة الأمريكية تعاني من تراجع جدي في أمريكا اللاتينية، الخلفية السياسية لانجازات اليسار في هذه المنطقة واضح لكل واحد في اليسار. حومسكي يُظهر كيف ان منطقتنا خاضعة للولايات المتحدة بواسطة مجموعة من الحكام الدكتاتوريين والظالمين الذين يمنعون كل رد فعل ديمقراطي الذي من شأنه ان يكشف معارضة الرأي العام للسيطرة الأمريكية. أقواله عن ليبيا هي مثال لقدرة تحليل حومسكي.
"في حالة واحدة، ليبيا، تدخلت القوى الثلاث الامبريالية بالقوة من اجل الاشتراك بالتمرد لإسقاط دكتاتور متقلب وغير اهل للثقة، ومن اجل شق الطريق، كما هو منتظر، لسيطرة ناجحة أكثر على كنوز ليبيا (في الأساس النفط، وكذلك المياه التي لفتت اهتمام الشركات الفرنسية)، ولإقامة ممكنة لقاعدة للقيادة العليا الأمريكية (والتي لا يمكن تنفيذها حتى اليوم) ومن اجل أيضًا إيقاف التدخل الصيني الذي يتعمق. لم تكن مفاجآت كثيرة".
ويمكن فقط الاستغراب من مدى عمق التفكير وشفافيته. وهل القارئ يتذكر صرخات الانكسار لأصدقاء مستقيمين ولكنهم سذج الذين غُرر بهم للاعتقاد ان الكل تركز حول دكتاتور يذبح شعبه. كان أفراد من اليسار الذين اعتقدوا "أنهم دعوا لدعم التدخل الإنساني للدفاع عن الشعب". وعلى ما يظهر انه يوجد للحكام في الغرب أدوات ناجعة جدا من اجل استغلال كل تمرد شعبي الذي تنقصه القيادة المبلورة ومن اجل حرفه لغاياته هو. وهل يمكن ان ننسى النتائج الليبية عندما نحلل ما يجري في سوريا؟
حسب حومسكي، تستعد القوى الامبريالية لقطع طريق الربيع العربي. ولديهم حتى هذه الساعة انجازات ليست قليلة. من هنا حسب رأيي، توجد أهمية لليقظة أمام برامج الولايات المتحدة وحلفائها، الذين يرغبون بإشعال حرب في المنطقة. الامبريالية حتى الآن ما زالت في أوج قوتها. وهي العدو الأساسي لشعوب المنطقة. وهل يجب الاعتذار على ذلك اننا نعود على تكرار هذه الحقيقة؟
كلما فشلت الولايات المتحدة والناتو من ناحية سياسية واقتصادية، تزداد لديهما الرغبة للحاجة لوسائل عسكرية، ومع انه توجد لديهما تكنولوجيا عسكرية متطورة جدًا. وبإمكانهما قتل وتدمير. ولكن ليس لديهم اي جواب للمشاكل المؤلمة في منطقتنا التي نتجت بسبب حكمهما. ربيع في المنطقة – هذا زمن عواصف وتقلبات وما زلنا في بداية الربيع.
