تطبيع وتتبيع

single

بوتفليقة ...

 

التدخل الشخصي لفخامة الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، لمنع زيارة وفد عرب – 48، مرؤوساً برئيس لجنة المتابعة العليا، لبلده الجزائر، مهانة.
مهانة لشخصه، أولاً. فلا يعقل أن يتفرغ رئيس دولة كبرى، حكامها وارثو ثورة كبرى، ليتدخل متذرعاً بحجة أصبح مضغها أسهل من تخزين القات ومضغه. التذرع بهذه الحجة يعكس، مرة أخرى، ذلك الجهل في دقائق التاريخ وتداعياته والأخطر أنه يعكس جهلاً بأحداث نكبتنا وما خلّفته.
فمن لم يفلح، بعد ستة عقود، من تذويت معنى بقائنا، أهل الأقلية الفلسطينية على أرض الآباء والأجداد، لا فائدة منه ولا خيره يرتجي. والأهم، برأيي، ما ينعكس من انعدام فهم لطبيعة الحركة الصهيونية، وحقيقة مشروعها في هذه المنطقة، فهذا الفهم لا يتعدى القشور والشعارات الطنانة.
في جميع الأحوال أعتقد، أن قصوراً في استيعاب الواقع بمركباته جميعها، وتغييبٍ، إما عن جهل مزمن وإما عن قصد مخزٍ، لدورنا التاريخي ولمعنى بقائنا ونضالاتنا، لا يخزي إلا أصحابه ولا يصب ريعه، في النهاية، إلا في صناديق إسرائيل الاستثمارية، التي كان أهمها، عبر التاريخ، صندوق الغباء والتخلف العربي.
إنها مهانة للوفد ولرئيسه بما يمثله من مكانة ومعنى. وهنا لا بد من سؤال: أما كان ممكناً استدراك هذه النهاية وذلك من خلال الاتصالات المسبقة والتأكد من الموقف الرسمي للدولة الداعية؟
وهي مهانة لجميع الجماهير الفلسطينية في الدولة، ذلك لأن الحجة وراء منع الوفد من وطء أرض الجزائر مردها في تلك الوثيقة المسماة "جواز السفر"، طبعا الإسرائيلي.
عندما يأتي ترديد هذه الحجة من رئيس دولة عربية وفي وجه وفد يرأسه رئيس لجنة المتابعة العليا، يعكس هذا، برأيي، أن ما اعتقده هؤلاء العرب إزاءنا، وطبعوه عنا في مخيلتهم، ما زال يقبع ويعشش هناك. لقد زايدوا علينا ووصمونا بالخيانة لأننا لم نلحق بركب من شمَّل. أنظمة تهافتت وغرقت بخياناتها وجهلها وأغرقت شعوبها بذلك، ما زالت، على الرغم من مرور ستة عقود، تعزو لنا قصورًا نحن منه براء، وتعّيرنا بوثيقة لولاها لكنّا اليوم في طي خيمة ولهيب صحراء شقيقة!.
هل يعرف الرئيس بوتفليقة وغيره، أتساءل طبعاً من باب التندر، أننا، عرب هذه البلاد كبرنا واشتد عودنا على ما وعيناه من ثورة  وثوار في الجزائر؟ هل يعرف أولئك، أن شعراءنا بلا استثناء، وأدباءنا ومبدعينا وطلابنا ومثقفينا وكادحينا وفلاحينا عاشوا واشتغلوا وانشغلوا بالهم الجزائري. ويكفي أن أذكر بغيض من فيض ما كتب، فـ"دم الجزائر صدر الفجر كعبته/ وناره فوق صدر البغي تستعر" و "لأجل تحرير الجزائر ثورتي/ ولأجل رغدتي وثبتي وكفاحي" و "يا فرنسا هذه الأرض لنا/ كيف تمسي أرضنا للغرباء".
القضية لم تبدأ مع الجزائر ولن تنتهي هناك. فـ"التطبيع" هذا علة كتبت عنها مقالة سابقة بعنوان "أمير في الإمارات العربية"، وهي حالة تتيح لقاصر المزايدة، وترخّص لمتجنٍّ مخرجاً، وتؤدي إلى ظلم، يصر من ما زال يؤمن أن الدم أغلى من المصلحة!، أنه أكثر مضاضة إن جاءنا من ذوي القربى! جعبة هؤلاء جاهزة دوماً وسهامهم لا ترحم.
وفد الجزائر غير المرحب به تلقى سهامًا جزائرية رئاسية، وحظه بذلك كان أوفر من الكبير وديع الصافي الذي عنه كتب حاتم عطية في مجلة اليوم السابع المصرية. فهذا كشف عن مفاجأة غريبة من نوعها. ذلك حين نقل عن الإذاعة الرسمية في إسرائيل التي نشرت خبرًا عن تكريم إسرائيل للفنان اللبناني الشهير وديع الصافي في إحدى المستوطنات اليهودية في منطقة الجليل الغربي الإسرائيلية ومشاركة الصافي في حفل التكريم. هكذا كتب!
ويضيف هذا الصحفي الكبير والكاتب في إحدى المجلات الكبيرة الصادرة في إحدى الدول العربية الكبيرة أن المستوطنة تسمى كيبوتس كابري وتقع في منطقة الجليل الغربي بإسرائيل وأن فرقة بيات الموسيقية الشهيرة في إسرائيل سوف تشارك في حفل تكريم المطرب وديع الصافي. هكذا كتب!
أخي القارئ، المأساة أن الخبر المعيب الذي ورد في "اليوم السابع" تحوَّل إلى خبر تعاطت معه عشرات الصحف والمواقع الإلكترونية. ولولا ما أدلى به جورج موضحًا ما جرى ومن هي فرقة بيات وما طبيعة الأمسية ورأيه فيها وكيف جرى تكريم والده وما إلى ذلك، يبقى النبأ المخزي، الوارد تحت اسم صحفي كلكم لم تسمعوا به وبنص يستقيؤك لما يبديه من جهل وتياسه، يبقى كل ذلك خبرًا يتجنى ويدمغ الكبير أبو فادي.
إذا، باسم التطبيع، يمنع بوتفليقة زيارة وفد شكل من رئيس المتابعة وبعض الأسرى الفلسطينيين من عرب 48 الذين أرادوا المشاركة في مؤتمر عن الأسرى الفلسطينيين عقد هناك في الجزائر.
وباسم التطبيع أيضًا كاد جاهل، يدعي الصحافة ولا يفقه ما تكون الكابري وما هي فرقة بيات وأين هو الجليل، أن يدمغ قامة شامخةً من قاماتنا العربية الراسخة في وجداننا رسوخ الأرز.
لن تحل هذه القضية بالشجب والاحتجاج. فأولاً، الشجب والاحتجاج يأتيان عندما توقِع هذه البدعة ذلك الشاجب والمحتج. وثانيًا، جذور هذه البدعة تمتد عشوائياً بيننا أيضًا. فعندما يكيل البعض بمكيالين إزاءها يغذي، عملياً، حجج أولئك الجهلة في العالم العربي.
لن تحل المشكلة إلا بموقف واضح وصريح من قبل جميع هيئاتنا القيادية وقياديي الجماهير العربية في البلاد. أقترح أن يكون الموقف مبدئيًا، ويتبنى مقاطعة جميع الدعوات الرسمية والشعبية التي تشترط وتستثني حضور البعض وترحب بآخرين، بينما يكون الاحتفال والمنصة معدَّتين لقضية تخص مصلحة شؤون عرب 48 العامة. القضية هي المبدأ الذي وضع الرئيس الليبي معمر القذافي حجر الأساس له في الدعوة لزيارة ليبيا، وزيارته بصفته رئيسًا للجامعة العربية ومهمة القيادات تكريس ما جاءت هذه الزيارة باسمه وتفعيله بالشكل الصحيح.
شطط وجهل ومزايدة كثيرين في العالم العربي سيوقع كثيراً من الضحايا. وهذه آفة لن ندرأ معاناتها، إلا إذا ذوَّتنا وتعهدنا بأن لا نرضى بفرية التطبيع كما يفعّلونها بحقنا، وأن يسبق ذلك رفضنا الواضح لمحاولات التتبيع التي قد يرضاها البعض لمصالحه، لكنها ستبقى دائماً ذريعة وحجة بيد من يحاول أهانتنا كما فعل الرئيس بوتفليقة بحق رئيس المتابعة وصحبه.
فلا للتتبيع ولا للمزايدة والجهل فيما تسمونه يا عرب "تطبيع".

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الحرية لأسرى الحرية

featured

...والقافلة تسير

featured

الإنسان الإنسان أولًا!!!

featured

إنها معركة على الوعي والإرادات وحول طبيعة المستقبل وما هو آت

featured

لائحة اتهام أمريكية لحلفائها!

featured

لا يليق بك الصّمت

featured

قرية مقاومة ثالثة

featured

شاعرنا سميح القاسم: أودعناك أم ودعتنا