لا يليق بك الصّمت

single


هل كان ذلك مصادفة، وربّ صدفة خير من ميعاد، أم هي حكمة الحياة المعلّم الأكبر بأن يكون لقاؤنا الأوّل عناق الزّيتون بالماء الزّلال الذي خلق الله تعالى منه كلّ شيء حي؟
 في صيف العام 1962. وكان بيتنا الصّغير الجّديد الذي بنيناه بالعرق وبالدّمع وبالدَّين، البيت الأوّل، يومئذ، في الحارة الغربيّة. وكنت في ذلك الصّباح أجلس مع المرحوم والدي في ظلّ زيتونة الدّار ويتربّع على الكانون أمامنا الابريق النّحاسيّ الأصفر العامر بالقهوة السّادة المهيّلة رفيقة عمره التي طهاها قبيل قليل. وكانت مجموعة صغيرة من العمّال تحفر الأرض وتمدّ الأنابيب الحديديّة لتسقي قريتنا العطشى. "مواسير الميّ يا يَمّه مدّوها". وجريًا على العادة القرويّة الفلسطينيّة الجميلة صاح أبي: "تفضلوا يابا!!" وجاء شابُ قصير القامة ، حنطيّ البشرة، بشوش الوجه وشرب القهوة معنا، وأخذ يتحدّث بطلاقه وحرّيّة كأنّ "بيننا عيشًا وملحًا "منذ سنوات أو كأنّه الرّجل العرّابيّ الذي سافر في" باص دير حنا، عكا" وأنا الرّجل الميعاريّ الذّي نهر الرّجل السّخنينيّ :"جاوبه!".
وعلا ضحكنا.
كان ذلك المقاول الشّابّ فضل نعامنة.
وتطوّرت وتمتّنت علاقنا طيلة نصف قرن، في لجنة منطقة النّاصرة الحزبيّة وفي لجنة الدّفاع عن الأراضي وفي اللجنة  المركزيّة للحزب الشّيوعيّ.
كان أخي وصديقي ورفيقي أبو ناصيف فضل نعامنة ضلعا هامّا من مثلث عرّابيّ شيوعيّ وطنيّ نضاليّ متساوي الأضلاع، وأمّا الضّلعان الأصيلان الآخران فهما الرّفيقان الطّيّبان أبو إبراهيم توفيق كناعنة وأبو محمد عمر السّعديّ، أطال الله عمريهما وأعطاهما الصّحّة. وكنت التقيهم معا، دائما معا، في المظاهرات والاجتماعات والمؤتمرات، في النّاصرة وعكّا وامّ الفحم ، في مثلّث يوم الأرض ، في حيفا وتل أبيب وفي الغابة الحمراء. وفي صيد السّمك الطّبرانيّ الذي يجيد أبو ناصيف إغراءه ولو بقدح من القهوة بدخول الشّبكة أو تناول طعم الصّنّارة.
كان أبو ناصيف قائدا ميدانيّا بارزًا في معارك عرّابة وقرى البطّوف التي صارت مدنا، وخمسة في عين الحسود، ولن ينسى شعبنا، جيلا بعد جيلا، دوره البارز في يوم الأرض الخالد، كما كان المرحوم موسوعة من الطّرائف والنّوادر تسير على قدمين تُضحك الجميع حتى الوجوه العابسة والقلوب الحزينة . وكانت طرائفه اجتماعيّةً سياسيةً ناقدةً لاذعةً. وهل هناك فرد من الذين رافقوه وعرفوه لا يروى نادرةً عنه؟ لقد حوّلتنا يا فضل إلى رواة في عصر العولمة والسّرعة!! وأكاد أجزم أنّه لو تطوّع طالب جامعيّ دارس باحث وجمع طرائف أبي ناصيف من أفواه النّاس لخرج بكتاب قيّم يحكي حياة شعب صامد مناضل منغرس في الوطن.
سهرت معه ليلة لا تنسى في مدينة جنيف بصحبة كوكبة من الطّيف الفلسطينيّ فروى باسلوب دراميّ، أضحك وأبكى، عن المرحومة أمّه التي طيّنت سطح بيتهم، في بداية الخمسينات من القرن الماضي، قبيل سقوط الأمطار، بطين اختلطت فيه بذور الفجل دون علمها فلمّا سقطت أمطار الخير والبركة نما حقل من الفجل على سطح المنزل وتحوّل الدّلف الى مزاريب..
حينما شاهدت جثمان فضل نعامنة مسّجى أمام المسجد يحيط به رفاق دربه وأصدقاؤه رغبتُ بأن أخاطبه: "لا يليق بك الصّمت والهدوء، يا رفيق، وأنت الرّجل الذي كنت، حيثما حللت، تملأ النّفوس والفضاء والمكان حبورًا وضحكًا وحركةً وحياةً.


قد يهمّكم أيضا..
featured

مراوغة اسرائيلية للابتزاز السياسي!

featured

كيف ظهرت "القاعدة" وأخواتها؟

featured

الأم فلسطين تودع إبنًا بارًا عظيمًا

featured

حول الاضراب الشامل مساهمة في النقاش