سَنَظَلُّ فِي دَرْبِ الكِفَاحِ

single

تُعتبر المقابر والأضرحة والمقامات ودور العبادة، من مساجد وكنائس وكُنُس، على اختلاف انتمائها الطَّائفيِّ والمذهبيِّ، من المحرَّمات التي لا يمكن ولا يجوز انتهاكها، حيثُ يُمنَعُ ويُحرَّم التَّفريط والعبث أو التَّصرُّفِ بهذه المقدَّسات، لغرضٍ آخر ممَّا يحلِّلُه الشَّرعُ، بل يجب على الإنسان الحفاظ عليها وحمايتها والدِّفاع عنها وصيانتها واحترام قدسيَّتها، لأنَّها حدود الله ولأنَّ المُلْكُ لله، وهذا ما تُقِرُّ وتؤمن وتعترف به وتتَّفِقُ عليه جميع الدِّيانات السَّماوية.
لكنَّ الاعتداءات المتعاقبة على المقدَّسات العربيَّة في بلادنا وعلى اختلاف تبعيَّتها، مستمرَّة دون توقُّف، منذ أن أنتُكِبَ شعبُنا العربيُّ الفلسطينيُّ باحتلالٍ غاشمٍ وشرِسٍ قبل واحد وستِّين عامًا، بكارثةِ فلسطين، حيث تمَّت السَّيطرة الكاملة على تراب الوطن وطرد غالبيَّة شعبنا منه في عمليَّة تطهيرٍ عرقيٍّة مدروسة، من قبل أعداء شعبنا، حيثُ لم يكُنْ لها في العالم مثيلٌ، ودون أن يرى شعبنا، لغاية الآن، أيَّ بصيص أملٍ لنهاية معاناته وعذابه فوق أرضه أو في جميع مناطق تواجده في اللجوء القسري.
والسَّببُ في ذلك، أنَّ هذه الأوقاف هي الشَّاهد الواقع والدَّليل القاطع على وجودنا وانتمائنا العُضويَّين لهذه البلاد، وأنَّ جذورَنا تمتدُّ وتضربُ عميقًا في رحم الكرة الأرضيَّة لتصلَ نواتها، تمامًا كما تكمنُ الكنوز في بواطن الأرض. لذلك فقد أصبحت قبورنا وأضرحتنا ومقدَّساتنا تطاردهم وتقضُّ مضاجعهم وتقطعُ عليهم أحلامهم التي ما زالوا يحلمون بها، في إتمام وإكمال مشروعهم الصُّهيوني، لذلك تجدهم يلجأون إلى ترهيبِنا وتهديدِنا وتخويفِنا..
ويردُّ عليهم شاعرنا المناضل داود تركي:
سَنَظَلُّ فِي دَرْبِ الكِفَاحِ بواسِلاً  حتَّى يَتِمَّ تَحَرُّرٌ وَمُرَادُ
لقد شهدت مدننا وقرانا العربيَّة في الآونة الأخيرة حملةً مسعورةً تصاعديَّةً على مقدَّساتنا دون استثناء، الإسلاميَّة منها والمسيحيَّة، فقد كتب أوباش صهيون على شواهد قبور أجدادنا "الموت للعرب"، وهذه أمنية يقولونها أيضًا "كل ما دقَّ الكوز بالجرَّة".. كذلك كتبوا عبارات بذيئة أخرى وكسَّروا وحطَّموا القبور كما حدث في مدينة يافا أو في طوبا الزَّنغرية في شمال البلاد، حين أقدموا على حرق مسجد القرية، لكنَّ هذه الأعمال المشينة "ذاقها أيضًا أجدادنا وآباؤنا على جلودهم" منذ نشوء الدَّولة أو حتى قبل ذلك، فمنذ أن أحتلَّت  العصابات الصَّهيونيَّة بلادنا، من رأس النَّاقورة شمالاً حتَّى أَيْلة (أَيْلا) أو أم رشرش جنوبًا، قامت بطرد السُّكَّان وهدم دور العبادة أو جعلها متاحف أو حظائر لبهائمها أو مرتعًا للهو زعرانها في بيوت الله، حيث تجاوز عددُ دور العبادة والمقابر المخرَّبة الأعداد الخياليَّة، فضلاً عن مصادرة أراضي وأملاك الوقف المعَدَّة لتكون ملك أبناء الطَّائفة التي يتبع لها الوقف، لتقوم بواجبها على أحسن وجه في دفع استحقاقات جمهورها الموكَّلة بهم وعليهم، فالوقف هو مُلْكٌ واقفٌ وممنوعٌ من التَّداول أو التَّصرُّف به لغاية شخصيَّة أو لأيِّ هدف لا يخدم مصلحة أهل الطَّائفة فهي صاحبة هذه الأملاك، لكنَّهم اغتصبوا أراضي الوقف وداسوا على مقدَّساتنا.
كيف تتمنَّى تلك العصابات المأفونة الموتَ للموتى، وكيف يسمحون لأنفسهم بالاعتداء على مثاوي الأموات التي يرقدون بها بعد رجوعها إلى باريها، مطمئنِّين وراضين مَرضيِّين، وإذا كانت أمنيتهم لأمواتنا موتًا إضافيًّا فماذا يتمنُّون لأحيائنا..
إنَّ هذا الجوَّ لم يأتِ من فراغ، فهذه هي تربية استعلائيَّة وعنصريَّة وفوقيَّة ومنهجيَّة، منذ أن دخلت الصَّهيونيَّة بلاد العُربِ، فقد استهدفت أرضنا وعرضنا وثقافتنا وما زالت تستهدف وجودنا العربيِّ فوق أرضنا التي ليس لنا أرضٌ سواها وفي وطننا الذي لا نملك وطنًا غيره، لقد رسموا تصوُّرهم لوجودهم في بلادنا وخطَّطوا له وما زالوا يخطِّطون لإنجاح مكائدهم على مدى عقود من الزَّمن خلت، حتى تتمَّ لهم مآربهم.
لكنَّنا بوحدتِنا الصَّلبة وبصمودنا الأسطوري وبوعينا المنير الذي نستقيه من أدبيَّاتنا وآدابنا وتربيتنا التي كبرنا عليها وكبرَت فينا ونشأنا على روح التَّسامح ورفض الإكراه ونشأت فينا هذه الرُّوح حتَّى سيطرت على جميع جوارحنا، فقد قال الشَّاعر إبن مدينة الرَّملة، أوَّل شامات بلاد الشَّام، سليمان التَّاجي الفاروقي،عن ضرورة الوحدة العربيَّة،المسيحيَّة الإسلاميَّة:
يا فِلَسْطِينُ تَبَارَكْتِ حِمَىً كُلُّ مَنْ يَبْغِيكِ بِالكَيْدِ يَخِيب
لَسْتِ أَرْضًا أَنْتِ بَلْ أَنْتِ سَمَا مَهْدُ عِيسَى فِيكِ وَالأقْصَى المُهِيب
يَأْزُرُ النَّصْرانُ فِيكِ مُسْلِمًا وَيُفْدِيكِ هِلالٌ وَصَلِيب
لقد وصلت وقاحة وصلافة وصفاقة حكَّام بلادنا أن يأتوا لقرانا ومدننا بعد أعمال زعرانهم المشينة، بتمثيلٍ رسميٍّ جدًّا، يذرفُون دموعهم على مصابنا الأليم، بانسجامٍ وتشابهٍ تامٍ مع التَّماسيح التي تسيل دموعها فرحًا حين تغنم بفريستها أو كما شبَّههم الأستاذ راضي كرينِّي بالصيَّاد الذي يذبح العصفور ويذرف الدَّمع عليه. فهذه الزَّواحف الضَّخمة تفترس طريدتها دون أن تشعر بألم شعبنا المعذَّب والصَّامد فوق تراب وطنه الغالي أو في منفاه الذي فُرِضَ عليه، فهم في شعورهم وفي مواقفهم "متمسحون"..
إنَّ هذه الأيدي التي تعتدي على مقدَّساتنا ووجودنا وعروبتنا هي نفسها أو بإيعاز منها ومن ربيبتها، التي تحرِّك نار الفِتنة في لبنان وفي مصر وفي سوريا.. وهي نفسها التي تريد تقسيم شرق وطننا العربيِّ إلى دويلات أو كانتونات طائفيَّة ومذهبيَّة لتجد لها شرعيَّة وجوديَّة.. 
فنقول لهم كما يقول شاعرنا المناضل داود تركي في قصيدته عن المطران هيلاريون كابوشي "مطران العروبة":
مِنْ كُلِّ أَدْيَانِ العُروبَةِ شَدَّهَا     وَطَنٌ وَهَمٌّ وَاحِدٌ وَجِهَادُ

 

- حيفا

قد يهمّكم أيضا..
featured

للتطاول أيضا توجد حدود

featured

كي نستوعب مدى تحريض دعاية اليمين، علينا أن نلتقي بعائلة التميمي

featured

الأعراس فزّاعة الصّيف الموسميَّة

featured

مني إلى كل نساء المعمورة..

featured

للاحتلال والاستيطان والحصار ثمن!

featured

إجراء وحشيّ آخر!

featured

حق العودة أم حق التملُّك

featured

بيت يروي قصته