على درب يوم الارض الخالد
أعرف أن اصدقاءَك كثيرون، ومعارفك كثيرون، ومع هذا فإني أشعر أني كنت واحدا من أقرب الناس إليك، وهذا يعود الى طبيعة العلاقات الثنائية التي كانت تجمعنا، علاقةٌ استمرت عشرات السنين. نحن أبناء لهذا الشعب الذي عارك الزمان والاحداث، ومنذ القديم والايام تتقلب ولا تثبت على حال، والاخبار دائما تأتينا بالجديد، ما بين اللطيف والشديد، فإذا ما عاد كل منا الى الزمان الذي مر وعبر وجدنا به الكثير من المحطات التي ما أن نقف عندها نستذكر احداثا كثيرة، كنا نقول لبعضنا البعض علينا أن ندوِّنها بكل تفاصيلها، وجزيئاتها، الكبيرة والصغيرة، أقول هذا وأنا اكتب هذه الكلمات بعد رحيلك، وأنت تعرف أن ما سأكتب عنك الآن هو رأيي فيك قبل أن تغادرنا، وهذه الخصال، التي يكتبها ويقولها اليوم عنك إخوة لك، هي كلام صادق وصورة حقيقية عنك، وأنا هنا أريد ان أنقل الى كل الناس بعض ما أعرفه أنا عنك، وأظنّ أنّي أعرف الكثير.
في كانون الثاني 1974 انتخبتُ رئيسا لمجلس محلي دبورية، وكنتُ آنذاك ابن 28 سنة، لا أعرف شيئا عن عمل الحكم المحلي العربي، التقيت مع أبي الأدهم لأول مرة في اجتماع كبير في القدس، حضره كل رؤساء السلطات المحلية، يهود وعربا. هناك رأيت جمال يوزّع منشورا كُتب باللغة العربية والعبرية ومعه بعض الرؤساء العرب، منهم طيّب الذكر رئيس مجلس الرامة المحلي المرحوم حنا مويس، يوزعون هذا المنشور على كل من وُجد في المؤتمر، والذي لخّص كلَّ مظالم ومطالب الوسط العربي حينها من الدولة. في هذا المؤتمر كان لقاؤنا الاول.
بعد اللقاء الأول جئت الى بيته في سخنين أطلب منه أن يعلّمني بعض الامور التي تخصّ ميزانية السلطة المحلية في دبورية وأمورا كثيره لها علاقة بعمل المجلس المحلي.
في تلك الفتره (1974) كان من أهم ما أنجزناه سوية، مع رفاق لنا، هو تأسيس اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، وكان ذلك نتيجة طبيعية للعلاقة الحميمة التي نشأت بيننا وبين مجموعة من الرؤساء أمثال حنا مويس، محمد محاميد، محمد زيدان وآخرين. ومن خلال هذا الإطار تعرّفت عن قرب على مواقف أبي الادهم. كانت هذه المواقف مشرِّفة، وطنية وعقلانية بامتياز، ومن هذه المواقف ما أودّ ان تتعرفوا عليها من خلال بعض ما قاله في ندوة في نيسان 1975:
قال أبو الأدهم:" نحن نعيش في القرن العشرين، ولكن حتى اليوم ينقصنا الكثير في قرانا، والمنطق الذي ننطلق منه أنه لا يمكن ان تتحقق مطالبنا هذه الا اذا توحدنا وجمعتنا كلمة واحدة، وتحدثنا بصوت واحد، وهذا مطلب ضروري. اتحادنا وتعاوننا قوة واذا ناضل كلّ منا وحده فأصواتنا ستكون كمن يصرخ في وادٍ، علينا ان نعمّق التعاون بيننا وندرك أهميته".
وقال ايضا "الفرد في المجتمع الذي يأخذ على عاتقه تحمل المسؤولية يجب ان لا ينتظر او يتطلع الى ثناء من الآخرين. العمل الذي نقوم به هو عمل اجتماعي وسياسي من الدرجة الاولى، سيلمس شعبنا النتائج اذا ما نجحنا. نكافح اليوم ولربما يقطف الثمار من سيأتي بعدنا، لكن هذه الثمار سيستفيد منها أبناء قرانا وشعبنا كله".
وعن التعليم قال " أكبر عقدة نعاني منها هي عقدة التعليم، غرف ومدارس لا تصلح الا ان تكون........!!!! نقص في عدد المعلمين الأكْفاء وغياب التعليم التربوي والاجتماعي، ونقص في المستشارين والممرضات والمربين الاجتماعيين، وإنّي أعتقد أنَّنا إذا حسّنا مستوى التعليم في قرانا فإننا نخلق جيلا جديدا يتماشى مع العصر ويلائم نفسه معه، وفقط بالعلم يتطوّر مجتمعنا".
وعن الانتخابات في القرى العربية قال "العائلات في قوائمها لا تنظر اليوم الى الشخص، بل تتطلع الى قدراته وامكانياته العلمية والشخصية، هل هو أهل للمهمة أم لا، يجب أن نصل إلى وضع يكون فيه القسم الاكبر من أعضاء مجالسنا على مستوى المسؤولية، وكذلك الرؤساء، وهذا مطلب الساعة، ومعركتنا مع السلطة صعبة وشائكة، والموضوع يحتاج الى رجال أكفاء".
هذا هو جمال طربيه، اسم شامخ لعقود مضت، جمعتنا معا في درب مسيرة واحدة، كنا فيه بذات الروح متحدّين، وبذات المشعل سائرين. ذلك المشعل الذي حملناه لنسير ولنحقق لجماهيرنا العربية في البلاد ما يجب أن يكون. هذه الذكريات التي مضى عليها أكثر من ثلاثة عقود أعيشها الآن وأذكرها بكل صفحاتها. جمال طربيه كأني أراه أمام عيني اليوم، هذا الواثق المدافع عن أرضه وناسه والمطالب بحقوق شعبه، ذلك المستنير بوعي التاريخ، التاريخ الذي علمنا ان الحقوق لا تُؤخذ الا بالنضال وبالإصرار وبالحفاظ على النهج الواعي والواقعي، وهو الذي تعامل مع الظروف بقدرة متماسكة وبصيرة ثاقبة. لقد كانت مواقف جمال مشرفة يعرف كيف يتعامل مع الحدث، بل كيف يسيّره من أجل مصالح الجماهير، هذه المعرفة التي اعتمدت على التجارب والحس الوطني، هذه الحقيقة التي لا يمكن انكارها أبدا.
قلت إننا أسّسنا اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية معا، هذه اللجنة التي وضعت نُصب أعينها أيضا أهمّ هدف وهو المحافظة على الارض التي تثبّت وجودنا في هذه البلاد، وإني اشهد أمام الله والتاريخ أن المرحوم عمل بجدّ ونشاط وايمان لا يهتزّ من أجل الدفاع عن كل حبة تراب، ومن أجل ملاحقة كل من لا يعترف بحقوقنا بل يحاول ان ينكر وجودنا، وأن يتعامل معنا كرعاة ابل وسقاة ماء.
إن الحدث العظيم والذي شكّل نقطة تحول في مسيرة الجماهير العربية هو يوم الارض الخالد، هذا اليوم كان بمثابة عبور حاجز الخوف لجماهير بقيت في بلادها بعد ان تشردت أغلبيتها. كنا قد عملنا من أجل هذا اليوم بشجاعة لا تعرف الا الاصرار، وجمال طربيه كان من بين القيادات العربية الواعية التي عملت بتكاتف وتآلف، وبسياسة مدركة لحجم الامور والقدرات، وكان له الموقف الشجاع في شفاعمرو هو ورفاقه، هؤلاء الذين وقفوا بحزم وجدارة يوم حاولت الحكومة أن تكسر إرادة الجماهير وأن ترعب من وجد في نفسه القدرة على الرفض، رفض سياسة مصادرة الاراضي، ورفض سياسة اضطهاد شعب له تاريخ ومستقبل، له لغته وتراثه، له كيانه وتواجده وله ما يريد وما يحلم به من حقوق ومطالب.
أبا الادهم ، يا أعزّ الناس، كنت بالنسبة لي رفيق درب، وأخا عزيرا، وكنت أجد في بيتك بيتا محبّا ولا انسى أم الأدهم والتي وقفت الى جانبك بكل الدعم والمحبة، وكذلك أولادك الذين احبّهم جميعا.
يا جمال لقد تجمّعت فيك مزايا الانسان النبيل الطيّب الصلْب الذي لا ينكسر. كنتَ مساندا وقائدا، داعما للوحدة والمحبة والتآخي بين أبناء المجتمع الواحد، بكل أطيافه وطوائفه، بكل تفاصيله وتعدداته. هذا هو أنت ايها الاخ العزيز، لن أنسى ما حييت أطراف الحديث التي كانت تتردّد بيننا حتى في آخر اسبوع رحلت فيه عنّا. أطراف الاحاديث في معظم الامور التي كانت تشغلنا وتقلقنا، وكم كنت أشعر بمدى انتمائك الصادق والحقيقي لقضايا شعبك والذي بقي لآخر يوم كزيتونة خضراء ممتدة الجذور في تراب سخنين والبطوف، هذا السهل الذي سطّر اهله تاريخا مشرفا وكان لك فيه صفحات منيرة في النضال ستبقى ما بقي البطوف وأهله والوعي للتاريخ.
شعبنا كله ونحن كلنا أهلك يا جمال، فقدنا برحيلك مناضلا شامخا، وانسانا رائعا، خسارتنا كبيرة، وخسارتي الشخصية أيضا كبيرة جدا، لكننا لم نفقد الرؤيا التي تمتعتَ بها، الرؤيا التي أنارت دربك ودربنا والتي ستنير درب السائرين والواثقين بعدنا. ذكراك باقية يا رفيق الدرب، يا أبا الادهم، أيها الصديق العزيز. سنظل نذكرك يا أيّها الراسخ في أرضه، الشامخ في عليائه، لك الرحمة وحسن الثواب والذكرى الباقية.
