نلاحظ في الأيام الأخيرة هجمة غير مسبوقة من أوساط سياسية محلية، هجمة مقصودة تجاه رموز شعبنا، رموز دفعت الغالي والنفيس دفاعا عن الجماهير العربية في البلاد ما قبل وما بعد نكبة 1948، وللمفارقة ان اغلب، ان لم يكن كل المتهجمين، هم ممن تم بناء وعيهم السياسي والجماهيري وصقل شخصياتهم في صفوف الحزب الشيوعي ومن ثم الجبهة، وتتلمذوا على ايدي من يهاجمونهم اليوم، وتغنوا مرارا وتكرارا وأحيانا بعنجهية بأنهم كانوا قريبين من فلان او من آخر من هذه الرموز التي نحترم ونقدر ونفتقد في أيامنا.
* وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر
من الطبيعي ان يحاول كل حزب او مجموعة إعطاء شرعية لفكره وممارساته او حتى محاولة فضح منافسيه، خاصة اذا كانوا يتنافسون على نفس جمهور الهدف. أما محاولة تغيير مسار خلافات داخلية في حزبهم او مجموعتهم من خلال اختلاق فرية، فهي تخلق حالة من البلبلة تدخل كوادرهم وكوادر الحزب المنافس بحالة نقاش اقل ما يقال عنه عقيم وخطير، اذا لم يدخل ضمن حدود المحافظة على قواعد اللعبة الأخلاقية. وحتى ان كان البعض يعتبر السياسة من اقذر المهن، وكل شيء بها مباح، فإن التطاول (حتى ولو اثبت بالشكل القاطع ان ما قيل صحيح) على رموز حاولت صياغة وجودنا وبقائنا ولا اتردد ان أقول انه لولاها لما كنا على ما نحن عليه اليوم، او ما نصبو لان نكونه غدا، فهو يدخل في خانة الزنى السياسي، وسيقود في النهاية الى زعزعة وجود الاقلية العربية في البلاد، التي استطاع قادتها ان يحافظوا على وجودها بوضعية الكف التي تلاطم المخرز بخطورتها وعنفوانها وضبابيتها.
ان تقول ما لا يريد حلفاؤك واعداؤك ان يسمعوا، وان تخطو نحو المجهول بخطوات الواثق والمتأكد رغم قلة الحيلة وقلة التجربة، ان تمأسس اقلية مرفوضة داخل دولة حديثة البناء، مدعومة من اغلب ارجاء المعمورة، أركانها الكراهية، السرقة والعنصرية لكل ما كان حقيقة تُذكر دائما بالمكان والزمان والحقيقة التاريخية، هي أمور لم ولن يقوى عليها الا هذه القامات الكبيرة.
تاريخ فلسطين وتاريخ الأقلية العربية الباقية في فلسطين، مهما اختلفت التسميات حولها، لن يكتمل ابدا دون ذكر رموز هذه الحقبة التاريخية ما قبل النكبة وبعدها، وعلى رأسهم توفيق طوبي، اميل حبيبي، اميل توما، توفيق زياد، حنا نقارة وآخرون وآخرون من رفاق ومؤسسي عصبة التحرر الوطني التي انضمت لاحقا للحزب الشيوعي. ونصيحة لكل من يحاول الصيد في المياه العكرة، ان يصحو وان يكون متيقظا، لان التلميح بفرية تطال الكبار بالتأكيد ستقضي عليه عاجلا ام آجلا، وعندها لن يذكر الا من خلال الالفاظ المجتمعية البذيئة ليس عداء له بل ردًا مجتمعيا عاديا لما حاول فعله.
* آفاتنا الاجتماعية
كان من الاجدر بهذه المجموعات بدل ان تخلق فريتها بحق رموز تاريخية ان تصب مجهودها او ان تغير مسارات الخلافات والاختلافات الداخلية عندها، بما يصب في مصلحة هذه الأقلية، التي تعاني من قلة المصداقية السياسية والاجتماعية نتيجة صراعات الأحزاب والمجموعات بطريقة اللامنطق، والابتعاد عما يصب في مصلحة الناس كل الناس، وذلك من خلال محاربة الظواهر الهدامة التي تواجه مجتمعنا، كالعنف، الخاوة، السلاح غير المرخص، العنف ضد المرأة، التكفير والتخوين، وغيرها وغيرها وغيرها من الآفات.
وان تحاول تحفيز الناس التي تعتمد "ما دام جلدي سالما مالي ومال الآخرين" (توفيق زياد)، والتي تزداد يوما بعد يوم، على اخذ دورها شعبيا من اجل النهوض بمجتمعنا.
نحن على اعتاب "نكبة مجتمعية وسياسية" جديدة، حديثة الملامح والتحديات، سوف تطال الأخضر واليابس، ابطالها المتربصون لمجتمعنا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، ونحن، كلنا ولا استثني أحدا، متخبطون في صياغة الخطوات الملائمة للمحافظة على مجتمعنا وشعبنا. وعلينا جميعا محاولة صياغة الأهداف ورسم الخطوات المناسبة بشكل يحافظ على مجتمعنا وهويته وتقدمه، وهذا الامر لن يتم الا اذا ذوتنا مدى المخاطر التي نواجهها وان نحاول بجدية ومسؤولية ان نتكاتف ونترفع عن خلافاتنا واختلافاتنا، ونحاول المحافظة على مجتمعنا ووجودنا ومحاربة آفاته التي تفتك يوميا وتخلخل اساساته، وليس من خلال فريات تحاول ان تطال قامات وطنية تاريخية.
