"خوري" ومسلمٌ وقرآنٌ كريم

single

جمعتْني قبل سنوات قليلة، سهرةٌ أنيسةٌ جدا، بعددٍ من طالباتي وطلابي السابقين في الكلية العربية للتربية (دار المعلمين آنذاك) في حيفا، الذين أنهوا دراستهم ما بين سنة 1964 وسنة 1975.  كان ذلك في إطار رحلةٍ لمتقاعدي وزارة المعارف من الجليل والمثلث، الى مدينة إيلات.
تمكّنتُ من معرفة الكثيرين منهم رغم الاخاديد التي حفرَها نهرُ الايام في وجوهنا، ورغم غبار الزمن المتراكم على ما تبقى من شعر رؤوسنا بعد أن عصفت به سنواتُ العمر فخفّفت زحمَته أو بدّدت حضورَه  نهائيا، فاصبحت الغابةُ صحراءَ لامعة، وكذلك رغم غطاء الرأس الذي اعتمرتْه بعضُهنّ. شعرتُ أن قلبي يقفز اليهم جميعا، في مسارٍ جَسَرَ الفجوةَ الزمنيةَ الفاصلة بين يوم تخرّجهم ويوم تلاقينا في ايلات. تحلقوا حولي في قاعة الفندق وتضمّخ جوُّ القاعة بعبق ذكرياتٍ دافقة، تجسّدَ بعضُها بقصصٍ ونوادر وحكاياتٍ ذات صلة بي. كنتُ أصغي باهتمامٍ متعطشًا لسماع المزيد، وكنتُ اتفاعلُ مع ما يقولون، فلا أعتقلُ ضحكةً رنّانة يقتضيها الموقفُ، بل أطلقُها على سجيّتِها حاملةً معها رسالةَ تشجيعٍ للآخرين كي يدلوا هم ايضا بدلوهم.
سمعتُ الكثيرَ من القصص والنوادر التي قد أتعرض لها في مقال لاحق، لكنّي سأتوقف حاليا عند واحدة منها كانت قد لمست مشاعري بصورة خاصة، وسأرويها لكم تماما كما سمعتُها من أحدهم وبلسانه أيضا، حيث قال لي:
"أتذْكُرُ عندما اتيتَ لمشاهدة درسٍ عندي كمعلم متمرّن، في مدرسة جت المثلث الابتدائية، إبّان فترة التطبيقات العملية في دار المعلمين العرب قبل نحو أربعين سنة؟".  لم ينتظر محدثي جوابا مني، لكنّه تابعَ حديثَه قائلا: "كانت زيارتُك تلك هي آخر ما توقّعتُه على الاطلاق، وذلك لسببين: حصّة سابعة اي متأخرة جدا ودرسُ دينٍ اسلامي. قلت ُ لنفسي، لعلّ الاستاذ حاتم خوري قد أخطأ الطريق. تقدمتُ نحوك قبل ان تجلس، وهمستُ في أذنك: "هذه حصة دين اسلامي". أجبتني بهدوء "أعرفُ ذلك، تفضل أكملْ درسَك". شعرتُ أنني قد وقعتُ في ورطة، لأني لم احضّر الدرسَ خطّيًا كما هو مطلوب من طلاب دار المعلمين كمعلمين متمرّنين، ولان معلوماتي في الدين الاسلامي كانت ضحلة للغاية ولا تمكّنني من المناورة او الابداع. شعرتُ أن درسي كان خبط عشواء، وتمنيتُ لو وضَعْتُ لغما تحت مقعدك لأرتاح منك".
سكتَ محدثي قليلا ثم عاد ليتابع قصته قائلا: "قَرْعُ الجرسِ وَضَعَ حدّا لدرب آلامي. خرجتُ من غرفة الصف منهارًا. لم اتردّد ان اعترف امامك أن درسي كان فاشلا. توقّعتُ ان تقابلني بوجه متجهّم وتصبّ في اذنيّ كلمات العتاب واللوم والتأنيب. غير أنك افتتتحتَ حديثك معي بسؤالٍ بدا لي غريبا جدا ، حيث قلتَ لي: "أتدري ما الفرق بين الطبيب والمهندس والمعلم؟". حيّرني سؤالك ولم افهم قصدك، فتابعتَ حديثَك  قائلا: "غلطةُ الطبيب يا عزيزي لا تُصلَّح لانها تُدفن تحت التراب، وغلطة المهندس تبقى ماثلة للعيان، أما غلطة المعلم يمكن تصحيحها غدا". فهمْتُ الرمزَ وسألتُك بتلهّف على الفور: كيف أستطيع أن أصلّح غلطتي؟ فقلتَ لي أنك ستُلقي عليّ مهمةَ دراسة ثلاث سورٍ من القرآن الكريم مع التفسير المُعتمَد إسلاميّا واجتياز امتحان بها، وأنكَ ستَطلبُ من الاستاذ توفيق صباح (كان رحمه الله معلما للدين الاسلامي في دار المعلمين آنذاك) أن يختار تلك السور الثلاث والمرجعَ التفسيري، وان يُشرف بنفسه على الامتحان".
عاد محدثي للتوقف قليلا عن الحديث وبدا كأنه يعيش مرة ثانية تلك اللحظات البعيدة، ثم قال بابتسامة عريضة: " لقد نجحتُ في ذلك الامتحان، لكن نجاحي الاكبر كان بانفتاحي على القرآن الكريم والاستمتاع بقراءته لغةً وقيَمًا وعبادةً، على امتداد العقود الاربعة الماضية، وأنا مدينٌ لك بذلك...".

قد يهمّكم أيضا..
featured

الامتحان الحالي سوف لا يختلف عن الامتحان السابق

featured

على مهلكم! فنحن عشية نظام جديد

featured

حـكـايــة شـــارع

featured

غبار الأيّام: ضحايا القتل في المجتمع العربي خمسة أضعاف المجتمع اليهودي!

featured

المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية: أحصد هوا وغمر ماش

featured

مساعي السلام من أجل الحرب القادمة؟!

featured

حملة نتنياهو الانتخابية ..الدموية