يمكن الادعاء بالطبع أنه لا أزمة حقيقية بين الولايات المتحدة واسرائيل. لكن شيئًا ما في متابعة الأخبار بات ممتعًا مؤخرًا. مسؤولو واشنطن لا يترددون في توبيخ بنيامين نتنياهو وحكومته علانية. بعض المصادر وصفت حالته خلال زيارته الأمريكية بتعابير نفسانية: مذعور، مصدوم، عصبيّ.
لكنّ أهم ما في المشهد هو أن الاستيطان في القدس مطروح بقوّة. لم تعد بياخة "نبني بسبب التزايد السكاني" وغيرها من أكاذيب اسرائيلية، تكفي للملمة الطابق. لا. خلف هذه الضجة يترسخ في الرأي العام العالمي أن اسرائيل تستوطن في منطقة محتلة اسمها القدس الشرقية. جميع الالاعيب بفك هذه البؤرة الاستيطانية، وتأليف تلك الكتلة الاستيطانية، والحديث عن تجميد الاستيطان وسط مواصلته على الأرض – لم تعد تجدي.
هل السبب هو أن انقلابًا حدث في أروقة البيت الأبيض؟ هل ارتفع منسوب الرهافة الأخلاقية تجاه قضية فلسطين هناك؟ من العجيب ادعاء هذا. ربما أن مسؤولو واشنطن قرروا ترتيب بعض الأوراق الأمريكية؛أوراق المصالح والنفوذ. فبعد حوالي عقد على التخبط في وحل احتلال العراق وأفغانستان، وفشل مشاريع هندسة إرادة شعبيهما بالحديد والنار، تحتاج واشنطن الى بعض الهدوء. خصوصًا أن عقيدة "الفوضى الخلاّقة" انفجرت في وجوه واضعيها. بعض المحللين يفسرون ذلك بلغة الاقتصاد (اللغة الأدقّ): إذا كان حكم الجمهوريين بحاجة الى مناطق مشتعلة لأن داعميه الكبار هم تجار النفط والسلاح، فإن حكم الديمقراطيين المدعوم من شركات التجارة العملاقة يحتاج الى أسواق هادئة. وهذه مجرد إمكانية واحدة.
من الجدير عدم رفع العيون الى أوباما من خلال تصويره بالمخلّص. لا. أبدًا. بالمرة. صحيح أنه ربما أوضح رئيس أمريكي في مخاطبة اسرائيل بخصوص جزء من ثمن التسوية السياسية الذي يجب عليها دفعه، لكنه لا يزال ممثل الدولة التي تهندس سياستها بمفهوم الهيمنة. والهيمنة قد تكون بالدبابات مرة، وبأدوات دبلوماسية مرة أخرى. من هنا، فإن الأنظمة العربية المنساقة خلف واشنطن يجب ألا تخدع أحدًا. لأنها ستحاول تمرير سياسات مفادها أن "الأمريكان الى جانب العرب".. كلا. شكرًا، جدًا، جزيلا.. الأمريكان (الحكّام) الى جانب المصالح التي يمثلونها؛ مصالح حيتان رأس المال. وكما ذُكر: ربما نشهد الآن حالة من إعادة الهندسة، ستدفع اسرائيل حصتها في سبيلها. لكن ما يطالب الفلسطيني اسرائيل به لا يُقارن.
ليست المسألة اتفاقية لتقسيم العقارات "بين اليهود والعرب" في فلسطين التاريخية. بل إنها مسألة تحقيق العدالة (ولن تكون مطلقة طبعًا) للفلسطينيين. هؤلاء (نحن) ممزقون: في الشتات، تحت الاحتلال، وتحت سياسات التمييز العنصري. قصتنا طويلة، ونفسُنا أطول. لن يُقال إن المسألة انتهت ما لم تنته الحالة الكولونيالية المفروضة علينا. لا يعني هذا "تدمير اسرائيل" وغيرها من شعارات جوفاء، بل تفكيك البنية الاستعمارية التي تحكم هذه البلاد.
قد يسعى البيت الأبيض لتحقيق تسوية ذات مضمون شكليّ، لكن الصراع على المضمون بمفهوم التحرّر والحقوق، سيظل أمامنا.. رغم ذلك، فلا بأس من التمتّع حاليًا برؤية متغطرسي اسرائيل مذعورين كالفئران.. لكن لا يجدر بالمتعة أن تذهب بالعقول التي يجب أن تظل تقرأ الواقع بتمعّن شديد وتروّ أشدّ.
