*هذا الربيع العربي اذا لم يُعد تصحيح مساره، فسوف يعود على الامة العربية بالويل والثبور، وقد نواجه بالمستقبل غير البعيد من الآن سايكس بيكو جديدًا*
//
ما يجري على ساحة دول الربيع وليبيا خاصة هو مثال يُشتم منه رائحة الانقسام ومشاريع استعماريّة قديمة. وقد يكون هناك على الطريق مشروع "سايكس بيكو" جديد ويقوده للأسف اعراب العصر، أمظمة السعودية وقطر (والجامعة اللا عربية) ونستطيع قول هذا الكلام وبفم ملآن، وذلك على ضوء ما يجري على الساحات العربية من احداث سياسية ومواقف مخزية لزعماء بعض الدول التي شهدت "الربيع العربي"، كتونس وما يجري على الساحة الليبية مثلا. هذه المواقف لقادة هذا الربيع تدل بوضوح كامل على ماهية وتركيبة ونوعية هؤلاء الحكام ومدى ارتباطهم بالمشروع الاميركي بالشرق الاوسط، وان هذه السلوكيات لهؤلاء الحكام وما يسمى بالثورات – برأيي - لا تمت بصلة ولا بحال من الاحوال الى ان هذا هو الربيع الذي انتظرته الشعوب العربية، وان هذه المواقف لا تتطابق وتطلعات وطموح هذه الشعوب التي ثارت على حكامهم الذين مارسوا كل انواع البطش والنهب لثروات شعوبهم على مدار عقود طويلة من الزمن.
وانني اعتقد جازما ان كل هذه الهبات والحركات الشعبية التي جرت في كل من تونس ومصر وليبيا قد غيّرت رأس الهرم السياسي في تلك البلدان فقط. ولم يجرِ تغيير النظام واسسه بالبتة كما سعت الى ذلك الجماهير الشعبية في تلك الاقطار. وان من الواضح ان هذه القوى الشبابية والطلابية التي بذلت واجتهدت وجندت ودعت الجماهير الشعبية للخروج الى الساحات والشوارع للتظاهرضد هذه الانظمة الفاسدة في كافة تلك دول، هي اليوم مهمشة ومحيدة تماما على مستوى اتخاذ القرارات السياسية والاجتماعية والاصلاحية التي سعوا من اجلها في بلادهم، وهذا بالتأكيد لم يكن في الحسبان من قبل هؤلاء الاخوة الشباب الذين قادوا وحرضوا شعوبهم على النهوض ضد طغاة بلادهم. فهذا التحييد والتهميش شبه المطلق لكافة هذه العناصر النيّرة التي اندفعت بكل قواها نحو التغيير والاصلاح والتقدم على كافة صعد التقدم والتطور وبناء الاسس الديمقراطية السليمة التي حرموا منها على مدار عقود طويلة من الزمن، منها هم اليوم في خانة التهميش وان هذا الذي احاق بهم من غبن وحرمان في اداء دورهم الوطني لم يكن واردا في حساباتهم مسبقا.
إن هذا التخطي والقفز عنهم لم يأت بشكل عفوي او بمثابة الصدفة. لا بل انه تم استغلال ضعفهم وعدم تنظيمهم بالاضافة لتهميش وطرح جانبا الشخصيات الوطنية من قبل اناس متربِّصين ذوي اطلاع واسع على بواطن الامور في هيكلية السياسة في بلادهم، بغض النظر ان كان هذا في مصر او تونس او ليبيا، فهؤلاء المتربصون من بقايا تلك الانظمة في اقطارهم.
وللاسف جاء هذا الاستغلال في الخاصرة الضعيفة للشباب وهو انعدام خبرتهم في التنظيم السياسي والاداري والاعلامي ولم يكن لهم على ما يبدو الدور في ممارسة السياسة سابقا.
إن كافة هذه الثورات التي نشبت في كل من تونس ومصر وليبيا بنيت عليها الآمال الكبيرة وكانت موضع امل وثقة الشعوب التي رزحت تحت نير انظمة دكتاتورية لعقود طويلة، الا ان هذه الآمال قد تبخرت واصبحت غثاءً أحوى. وقد استفاد استفادة كبرى من هذه الثورات هؤلاء الذين لم يشاركوا في التفاعلات الشعبية في بدايتها وذلك انتظارا منهم الى اي كفة ستستقر الاوضاع السياسية في بلادهم حتى يركبوا ظهر هذا الحصان وهذا فعلا ما قد حصل.
إن هذه الثورات وما يسمى الربيع العربي قد سُرقت من قبل امريكا وعملائها في هذه البلدان بالاضافة الى مشاركة بقايا الانظمة التي اطيح بها واسقطت حتى الآن. اذا وبواقع الحال انه لا بد من التوضيح والاشارة الى ان الثورة اليمنية ما زالت متماسكة وبنفس النهج القومي والوطني الذي بدأته رغم ضخامة المؤامرات والحيل التي تُحاك من قبل علي عبد الله صالح واعوانه وزلمه ويضاف الى ذلك ضخامة الدعم والمساعدات التي تُضخ ضد هذه الثورة. الا ان الثورة اليمنية حسب كل المعطيات من قبل المعارضة وغيرها سوف تحرز الانتصار بمسارها الوطني التقدمي حتى وان طال الزمن. اما ما يجري في القطر العربي السوري اليوم فمختلف اختلافا جذريا. فسوريا تتعرض لمؤامرة كبرى وقد تكون هي الاكبر في تاريخها وذلك تحت شتى المسميات والاكاذيب من قبل اعداء سوريا. فهل يعقل ان من في امريكا وبريطانيا وفرنسا من أنظمة لا ينامون الليل ولا يغمض لهم جفن حتى تتحقق الحرية للشعب السوري، يا لهول هذا الكذب والهراء!؟
إن هذه اليافطات التي ترفعها امريكا وكافة الدول المرتبطة بها هي كذبة كبرى واصبحت مكشوفة للقاصي والداني ولم يعد احد يصدقها في هذا الكون. وان كل هذه المؤامرات التي تحاك ضد الحكومة والشعب والدولة السورية ككل، سوف ترتد الى نحور محيكيها واصحابها وعلى رأسهم اميركا ودول الخليج؛ المؤامرة لم ولن تمر في سوريا وان الشعب السوري وقيادته الحكيمة سوف ينتصرون ولن يقعوا في حبائل هذه المؤامرات وان هذا الربيع ينظر اليه ككذبة كبرى وقد تتحول الى ردّة الى الوراء.
وان محاولات الفيصل والحمدين المدعومين امريكيًا لحرف مسار سوريا الوطني سيصطدم بصمود الشعب السوري وتصديه لهذه المؤامرة وستلاقي الفشل الذريع بدليل ما قامت به قوى الامن السورية مؤخرا بتطهير معظم الاماكن التي تمركزت فيها عناصر التخريب التي بعثت بهم دول الخليج مثل قطر والسعودية بالاضافه الى 49 رجل مخابرات تركيا لذلك اقول وبوضوح تام ان هذا الربيع اذا لم يُعد تصحيح مساره فسوف يعود على الامة العربية بالويل والثبور، وقد نواجه بالمستقبل غير البعيد من الآن سايكس بيكو جديدًا وللاسف بمشاركة عربية وعلى رأسهم ما يسمى جامعة الاعراب.
