كُتب الكثير عن فقه القيادة ودورها في التاريخ. وكان هذا الموضوع جاذبًا لمساجلات لا آخر لها، لأنه متعلق أساسًا بالفرد وبالتحديد بمفهوم البطل، وفي عالمنا العربي ثمة مقاربات متضاربة حول القيادة ومؤهلاتها. خصوصًا بعد أن أصبحت مصطلحات من طراز الكاريزما متداولة في نطاق شعبي. ولم يتوصل أحد من المؤرخين أو الباحثين في هذا الشجن السياسي إلى تعريف دقيق للكاريزما، لأن هناك خلطًا بين ما هو جسدي ومحسوس وبين ما هو مجرد، فالكاريزما قد تكون معنوية خالصة وذات منابع عقلية ونفسية. لكن ما يجمع عليه علماء الاجتماع السياسي هو أن غياب المايسترو تترتب عليه نتائج بالغة السلبية، وهذا ليس تبسيطًا موسيقيًا أو فنيًا لمفهوم القيادة والإدارة، لأن الأوركسترا في نهاية المطاف عزف متناغم وليس منفردًا وتضبطه نوتة موسيقية، وضرورة هذا الضبط والتناغم ليست حكرًا على السياسة ونظم الحكم ، فما من عمل جماعي لا تنطبق عليه بدرجة أو بأخرى أدبيات الأوركسترا وشروطها ، وحين تتعدد الرؤوس في أي عمل جماعي، تصبح الفوضى هي البديل ، وما يقال عن حراكات سياسية بلا قادة يستحق النقاش ، وثمة تجارب في هذا السياق منها ما هو عربي وغير عربي انتهت إلى حالة من التشظي والتذرر فكون المنبع واحدًا لا يعني بالضرورة أن المصب واحد.
في غياب المايسترو يصبح لكل قيس "ليلاه" التي يغني لها أو عليها ، لكن ما يختلف حوله تاريخيًا هو تعريف المايسترو أيضًا. فالديكتاتور يمكن أن يوصف بأنه المايسترو، وبالتالي يعزف الجميع وعلى مختلف الآلات لحنًا واحدًا، ومقابل ذلك ثمة مايسترو يرى في القيادة شيئًا آخر، ويؤمن بالمشاركة لأن المصير واحد، وثمة فارق حاسم وجذري بين الحرية والفوضى، خصوصًا تلك الفوضى الباكونينية نسبة إلى باكونين أو السوفسطائية التي ترى في الفرد مقياس الصواب والخطأ، تبعًا لمصالحه الخاصة.
وإذا كان لابد من تصنيف لأنماط المايسترو.. فهو قد يكون رشيدًا وعادلًا وينسب نجاحه إلى العازفين من حوله.
أما المعيار الذي يحتكم إليه في هذا التصنيف فهو النهايات والنتائج. ولن يفهم دور المايسترو وما يترتب على غيابه إلا من تحرروا من إغراءات وإغواءات العزف المنفرد.