معارضة تُدمّر وأخرى تبني

single

*وضع الأسلحة، وأكثر منها الأموال، في أيدي القوى الرجعية في سوريا صبّ، منذ بدأ، في هذا السياق. والتدرّج في الانتقال من خفيف الأسلحة إلى ثقيلها جرى على إيقاع الحاجة إلى تمكين المسلحين المناوئين للنظام من الاستمرار في مناوءة الجيش واستفزاز سادة النظام، هؤلاء الذين ما أسهل ما استفزوا، فأفرطوا في استخدام القوّة المسلحة، فساهموا من جانبهم في استمرار الحلقة الجهنمية: تفاني القوى وتدمير البلد!*

 


في السعودية وقطر نظاما حكم يتصدران طائفة الأنظمة العربية التي تُموِّل الجماعات الرجعية في المعارضة السورية وتمدّ أعضاءها بالأسلحة. وما يفعله النظامان في هذا المجال يندرج، كما هو معروف، في سياق الكثير الذي يفعلانه لخدمة الولايات المتحدة ولفيفها الدولي. وعلى هذا، فالذين لا تفتنُهم المزاعم المخادعة يدركون أن تسليح الأطراف الرجعية في المعارضة السورية، مثله مثل حجب أي شكل من أشكال الدعم عن المعارضة الوطنية التقدمية، عكَس رغبة أميركية تَولّى النظامان التابعان تحقيقها.
الآن، يعلن النظامان السعودي والقطري اعتزامهما التوقف عن مدّ المعارضة إيّاها بالأسلحة الثقيلة. وما يبثّه النظامان أو يسرّبانه تسريبًا يُظهر خشيةً، لن يلبث أن يظهر كم هي مدعاة، من أن تصل هذه الأسلحة إلى أيدي قوى متطرفة. صفة الادعاء تفضحها حقيقة أن النظامين تقاسما مدّ المتطرفين وحدهم بخفيف الأسلحة كما بثقيلها وطمروهم بالمال اللازم لتجنيد المقاتلين الذين يستخدمونها. وفيما أغدقت السعودية المال والسلاح على السلفيين، العقائديين منهم والمرتزِقة، فعلت قطر الشيء ذاته للإخوان المسلمين والمرتزِقة الذين يُفلح الإخوان في تجنيدهم. ولم يُقدِّم النظامان أسلحة أو أموالا إلا لهذين الفريقين.
إعلان التوقف عن مدّ المعارضة الرجعية بالأسلحة الثقيلة ظهر بعد أن كثفت الإدارة الأميركية التعبير عن خشيتها من وجود أسلحة ثقيلة في أيدي إسلاميين متطرفين. وبهذا، تبيّن أن التوقف تمّ هو الآخر تحقيقًا لرغبة أميركية. ولو كانت الولايات المتحدة حريصة على استمرار وجود الأسلحة الثقيلة لدى المعارضة، لوجهت أتباعها مورّدي الأسلحة كي يوصلوها إلى معارضين غير متطرفين.
التوقف عن إرسال أسلحة ثقيلة، مع استمرار تدفق الأموال والأسلحة الأخرى، يُظهر إقرار الإدارة الأميركية واضطرار أتباعها العرب إلى الإقرار بان بعض ما صنعته أيدي الجانبين معًا في سورية قد أضرّ بمصالحهم هم أنفسهم، وأنهم، في الإدارة كما بين الأتباع، بصدد تبديل سلوكهم في هذه المسألة.
هنا، يحتاج السياق إلى استطراد. فأن يخدم النظامان التابعان المصالح الأميركية، في سورية كما في غيرها، لا يَستبعد أن لكل منهما مصالح خاصة به وأخرى مشتركة بينه وبين الأميركيين. وأولى ما تمكن الإشارة هي مصلحة اللفيف الأميركي بجميع أطرافه في وأد أي جهد لإصلاح النظام السوري وفي القيام بأي شيء لمنع نشوء نظام آخر ممثل حقًا لمزاج غالبية الشعب السوري. لقد أظهرت الأحداث التي عصفت بالبلد إصرارًا أميركيًا، متبوعًا بإصرار عربي، على دفع سورية إلى اقتتال داخلي تتفانى فيه القوى المتقاتلة وتتقاسم العمل اللازم لتدمير بلدها والحيلولة بينه وبين فرصة النهوض من جديد.
وضع الأسلحة، وأكثر منها الأموال، في أيدي القوى الرجعية صبّ، منذ بدأ، في هذا السياق. والتدرّج في الانتقال من خفيف الأسلحة إلى ثقيلها جرى على إيقاع الحاجة إلى تمكين المسلحين المناوئين للنظام من الاستمرار في مناوءة الجيش واستفزاز سادة النظام، هؤلاء الذين ما أسهل ما استفزوا، فأفرطوا في استخدام القوّة المسلحة، فساهموا من جانبهم في استمرار الحلقة الجهنمية: تفاني القوى وتدمير البلد!
وما دام أن ذلك كذلك، فما الذي أملى الرغبة الجديدة في حجب الأسلحة الثقيلة عن مسلحي المعارضة الرجعية، هؤلاء الذين استخدموا ما وصل لأيديهم منها منذ شهور، وهم الذين أفلحوا أكثر من سواهم في استفزاز النظام ودفعه إلى هذا الإفراط غير المسبوق في استخدام القوة؟
على هذا السؤال تُتداول إجابات عديدة. أغلب هذه الإجابات غير مقنع إذا أخذ وحده، خصوصًا خشية الذين وضعوا الأسلحة الثقيلة في أيدي المتطرفين ثم زعموا أنهم يخشون وصولها إليهم.
الإجابة الأقرب إلى المعقول هي هذه التي أشير إليها أعلاه. فالتصعيد الذي سبّبه وجود الأسلحة ولّد مخاطر لم تكن في حسبان مورِّديها للمتطرفين دون سواهم، مخاطر قد تنعكس سلبًا على معظم جيران سورية الذين هم من محميِّي الولايات المتحدة أو حلفائها. والى هذا، أدى التصعيد إلى تسويغ ما يفعله النظام، وأدى زهو المعارضة الرجعية بما توفر لها من دعم إلى إمعانها في إيذاء الجمهور مباشرة أو في التسبب في إيذائه دون تحسب، وألّب غالبية الجمهور السوري ضد المعارضة المسلحة.
صحيح أن تأليب غالبية الجمهور ضد المعارضة المسلحة لم يُضف جديدًا إلى شعبية النظام. لكن، صحيح أيضًا أن السخط الشعبي على المعارضة يصب بصورة غير مباشرة في صالح النظام وجهده لمواجهة مناوئيه المسلحين بسلاحه المتفوق. وهذا السخط يُقلل فرص انتقال مزيد من الناس إلى صفّ المعارضة.
التصعيد حوّل الصراع على السلطة في البلد إلى حرب ضد نظام الحكم فيه  تديرها قوى خارجية غير مقبولة من غالبية الشعب السوري. وحتى لو طال أمد هذا النوع من الحرب، المرشح فعلا لان يطول أمده، فمن المشكوك فيه أن يقتنع مزيد من السوريين بنهج المعارضة المسلحة المدعومة من الخارج، تماما مثلما لم يقتنع هذا الشعب بدعوة الذين دعوا إلى التدخل الخارجي المسلح. وفي غضون ذلك، قد يحدث هذا الذي تخشاه الولايات المتحدة، فيعاد الاعتبار لدور قوى المعارضة الداخلية الديمقراطية حقًا، المعارضة التي أطلقت البداية في العام الماضي. وبهذا، قد يفلت الزمام من أيدي القوى المتطرفة الرجعية المندوبة للاستمرار في مناوءة النظام إلى أن يتمّ تدمير البلد.
هذه، كما يتوجّب أن يقال، ليست تكهنات. فانتعاش المعارضة الديمقراطية الداخلية، وتجدد الجهود المبذولة في الداخل، وإعادة الاعتبار لنهج الحوار والتعبئة الشعبية التي لا يفرضها السلاح، أمور عادت إلى البروز مع فشل المعارضة المسلحة في اكتساب رضا الجمهور العريض. وهواجس المعارضين الديمقراطيين إزاء جرائم الرجعية المسلحة يتواتر التعبير عنها والبوح بها باطراد متزايد الشدّة. والمحتاج إلى أمثلة كثيرة يستطيع أن يتابع بعين مُدققة الجهود الجارية لإعادة الزمام إلى الداخل. وهو يستطيع أن يتابع ما يكتبه ويبوح به المعارضون المتمتعون بالصدقية واحترام الجمهور.
ولمن يحبّذ ذكر الأسماء، أنوّه هنا، بما يكتبه كتّاب كثيرون شكلوا ضمير المعارضين الصحاح. وأذكر، وذلك على سبيل المثال، ياسين الحاج صالح، وفايز سارة، وميشيل كيلو، وهيثم مناع. فهؤلاء، وأمثالهم كثيرون، هم الذين صاغوا الرؤية السورية الوطنية الديمقراطية وكانوا حداء مسيرتها، وهم، أنفسهم، الذين يجهرون بالتحذير مما يفعله المعارضون الرجعيون.

قد يهمّكم أيضا..
featured

ماذا إذا بيبي لم يعد يصدّق أحدًا؟

featured

نساء "داعش " بين فتنة السلاح والنكاح

featured

الإدانة لسبب الكوارث، للاحتلال!

featured

الايطاليون وجدل الاسلام والسياسة

featured

الشعب يريد جلد النظام

featured

لتحصين شبابنا من أوبئة العصر

featured

"مصائب قوم عند قوم فوائد"!

featured

إعادة احتلال مخيم اليرموك